مع بداية العام القضائي الجديد مطلع أكتوبر المقبل، يدخل قانون "الإجراءات الجنائية" الذي أقره البرلمان في أكتوبر 2025 حيز التطبيق الكامل.
أبرز ما فيه: خفض الحد الأقصى للحبس الاحتياطي من 6 أشهر إلى 4 أشهر في الجنح، ومن سنتين إلى 18 شهرا كحد أقصى في أغلب قضايا الجنايات.
كما أضاف القانون 7 بدائل قانونية للحبس الاحتياطي، منها إلزام المتهم بعدم مغادرة مسكنه، أو تقديم نفسه دوريا لقسم الشرطة، بدل حبسه.
واشترط القانون أيضا أن يكون أمر الحبس الاحتياطي مسببا بوضوح وإلا اعتبر باطلا، وألا يصدر القرار إلا من عضو نيابة، وألا يُستخدم الحبس الاحتياطي إلا لمبررات محددة: تلبس بالجريمة، خشية هروب، خشية التأثير على الأدلة أو الشهود.
على الورق، هذا تطور تشريعي حقيقي. لكن السؤال الأهم ليس "ماذا يقول القانون؟"، بل "هل ستطبقه السلطة كما كُتب؟".
لماذا يشك الجميع في التطبيق الفعلي؟
الإجابة تكمن في التاريخ القريب. فمنذ 2013، تحول الحبس الاحتياطي في مصر، بحسب حقوقيين، من "إجراء استثنائي مؤقت" إلى ما يشبه "عقوبة بلا محاكمة" - عبر ممارسة تُعرف بـ"إعادة التدوير": حين يقترب موعد إفراج معتقل أو تنتهي مدة حبسه القانونية، تُحال قضيته لاتهامات جديدة تبدأ معها عدّاد حبس احتياطي من الصفر.
هذه الممارسة استندت إلى قرار جمهوري صدر عام 2013 عن الرئيس المؤقت عدلي منصور، أتاح للقضاة والنيابات تجديد الحبس الاحتياطي كل 45 يوما دون سقف زمني واضح، ثم تعمقت عام 2020 حين أصبحت جلسات تجديد الحبس تُعقد "عن بُعد" فقط - وهو ما وصفته منظمات حقوقية بأنه يُفرغ حق الدفاع من مضمونه.
النتيجة، بحسب منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" و"المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، جلسات تجديد حبس تتحول لـ"إجراء شكلي" يُمرر بالجملة - كما حدث في واقعة تجديد حبس 513 معتقلا في يومين فقط بسجن بدر مطلع 2024، بحسب توثيق "المبادرة المصرية".
الالتفاف على القانون الجديد قبل تطبيقه
هنا الجزء الأكثر إثارة للقلق في القصة. يقول المحامي المصري ممدوح إسماعيل إن السلطات لم تنتظر دخول القانون حيز التنفيذ لتتعامل معه، بل تحركت مسبقا: أحالت آلاف المعتقلين المحبوسين احتياطيا إلى محاكمة جنائية فعلية، ليصبحوا تحت سلطة المحاكم لا النيابة.
لماذا هذا يهم؟ لأن هناك فارقا قانونيا دقيقا لكنه حاسم: الحبس الاحتياطي بمعناه القانوني يخص فترة التحقيق الابتدائي فقط.
أما "الحبس على ذمة المحكمة" أثناء نظر القضية، فهو نوع مختلف من الحبس القضائي لا يخضع، وفق قراءة إسماعيل، لسقف الـ18 شهرا المنصوص عليه في القانون الجديد بالضرورة.
بعبارة أبسط: بمجرد إحالة المعتقل للمحكمة، قد يخرج "الحبس الاحتياطي" من التعريف القانوني الذي يحميه القانون الجديد، حتى لو ظل المعتقل خلف القضبان فعليا لنفس المدة أو أطول.
يصف إسماعيل هذا بـ"الحيلة الخبيثة" التي استُخدمت "بدون تهم حقيقية ولا أدلة ولا موضوع حقيقي".
من هم هؤلاء المعتقلون؟ وكم عددهم؟
لا توجد أرقام رسمية حديثة معلنة. آخر تصريح رسمي معروف يعود لعام 2018. حين قال رئيس لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان إن العدد يتراوح بين 25 و30 ألف معتقل.
تقارير حقوقية حديثة تتحدث عن "عشرات الآلاف". من بينهم أسماء موثقة مثل الحقوقي إبراهيم متولي الذي دخل هذا الشهر عامه التاسع في الحبس الاحتياطي. والمحامية هدى عبد المنعم رغم انتهاء عقوبتها الأصلية منذ 2023. إلى جانب عشرات الصحفيين والباحثين وحتى قاصرين، بحسب توثيق منظمات حقوقية.
ماذا يقول المعتقلون أنفسهم؟
في استغاثة وجهوها قبل أيام، قال معتقلون: "إن لم يخرجوا في أكتوبر القادم... فهذا يعني إعداما بطيئا للناس، ويكون النظام أسفر عن نيته في قتل الناس في محبسهم". وأضافوا: "ما زلنا قيد الحبس الاحتياطي منذ 5 سنوات، وقد وصل الكثير 8 سنوات... فليس أمام المعتقلين قضاة ولا قانون، إنما هم ممثلون وأحكامهم معروفة وإن تأخرت".
هل هناك ضغط دولي متزامن؟
نعم، على أكثر من جبهة: نظم ناشطون مصريون وقفات أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي ومقر الأمم المتحدة بجنيف. وأطلقت منظمات حقوقية حملة بعنوان "الحبس الاحتياطي.. استثناء وليس عقوبة"، بينما أطلقت منظمة "عدالة لحقوق الإنسان" حملة موازية بالتزامن مع الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان الأممي. محذرة من أن الحبس الاحتياطي المتكرر "يفقد طبيعته الاستثنائية ويتحول إلى حرمان ممتد من الحرية".
