مصر تحتفي بتراجع الإنجاب... والعالم يسابق الزمن لرفع معدلات المواليد

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء النتائج الأولية للمسح الصحي للأسرة 2025، والتي أظهرت انخفاضاً لافتاً في معدلات الإنجاب، وسط احتفاء رسمي واضح بهذا التراجع باعتباره مؤشراً على نجاح سياسات الدولة السكانية.

جاء الإعلان خلال مؤتمر بحضور وزيري الصحة والسكان خالد عبد الغفار، والتخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم، وممثلين عن الأمم المتحدة واليونيسف والبنك الدولي.

الأرقام: أدنى معدل إنجاب منذ سنوات

أظهرت النتائج انخفاض متوسط عدد الأطفال لكل سيدة إلى 2.33 طفل عام 2025، مقارنة بـ2.85 طفل عام 2021، بنسبة تراجع بلغت 18.2%.

كما انخفض معدل إنجاب المراهقات تحت سن 20 عاماً إلى 34.6 مولوداً لكل ألف سيدة، مقارنة بـ50 مولوداً عام 2021، بنسبة تراجع نحو 31%.

وارتفعت في المقابل معدلات الرعاية الصحية المرتبطة بالحمل والولادة بشكل ملحوظ، إذ بلغت نسبة السيدات اللاتي حصلن على رعاية حمل منتظمة 92.4%، ونسبة الولادات تحت إشراف مقدم خدمة مؤهل 98%، ونسبة الولادات داخل المنشآت الصحية 96%.

احتفاء رسمي

قدّمت الحكومة هذا التراجع باعتباره "انعكاساً لنتائج برامج تنظيم الأسرة وتمكين المرأة والتوسع في الخدمات الصحية والتوعوية"، ضمن الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية التي تستهدف خفض معدل الإنجاب إلى 2.1 طفل لكل سيدة بحلول 2027، وهو هدف بات الآن قريب المنال بحسب الأرقام المعلنة.

وربطت الحكومة هذا الإنجاز بمؤشرات اقتصادية موازية، من بينها ارتفاع مساهمة المرأة في سوق العمل من 15.7% إلى 20.7%، وتراجع معدل البطالة بين الإناث من 17.8% إلى 15.3%، إلى جانب توسع استخدام وسائل تنظيم الأسرة طويلة المفعول، وانخفاض عدد "المناطق الحمراء" الأكثر ضغطاً سكانياً من 74 منطقة إلى 20 منطقة فقط.

هل هذا يعتبر إنجاز؟

يفترض جزء من النقاش الدائر حول هذا الملف أن مصر حققت إنجازاً استثنائياً يصعب على دول نامية أخرى تحقيقه، لكن البيانات الإقليمية والعالمية تُظهر صورة مختلفة: فتراجع معدلات الإنجاب ليس ظاهرة مصرية خالصة، بل اتجاه إقليمي وعالمي واسع.

ففي الدول العربية، سجلت الأردن انخفاضاً في معدل الخصوبة بنسبة 24.3%، والعراق 22.2%، واليمن 19.1%. والضفة الغربية وغزة 18.6%، وسوريا 18.1%، وجميعها نسب تراجع تقترب من نسبة مصر أو تتجاوزها. رغم أن بعض هذه الدول يعاني من ظروف حرب أو عدم استقرار سياسي لا تتوفر فيها. بالضرورة برامج تنظيم أسرة حكومية منظمة كما هو الحال في مصر.

كما يشير خبراء إلى أن ثلثي سكان العالم يعيشون حالياً في دول تقل فيها معدلات الخصوبة عن مستوى الإحلال السكاني (2.1 طفل لكل سيدة). وهي ظاهرة تشمل دولاً متقدمة ونامية على حد سواء، وليست حكراً على الدول الغنية فقط.

بهذا المعنى، فإن ما يميز التجربة المصرية ليس حدوث التراجع في حد ذاته -فهو نمط عالمي متكرر. بل السرعة النسبية التي حدث بها (18.2% خلال 4 سنوات فقط)، وربطه المباشر ببرنامج حكومي معلن ومموّل بالكامل محلياً.

نجاح سياسي أم أعباء اقتصادية؟

رغم الاحتفاء الرسمي، يوجد جدل حقيقي بين المتخصصين أنفسهم حول الأسباب الفعلية وراء هذا التراجع.

فبينما يُرجعه مسؤولون سابقون في المجلس القومي للسكان، مثل عاطف الشيتاني. بشكل أساسي إلى نجاح سياسات وبرامج التوعية الحكومية في رفع الوعي بأهمية تنظيم الأسرة. يشير خبراء آخرون تحدثوا لوسائل إعلام متخصصة إلى أن العامل الاقتصادي يلعب دوراً لا يقل أهمية. إلى جانب التحولات الاجتماعية والثقافية والتحديات الاقتصادية المتراكمة التي تدفع الأسر لتأجيل الإنجاب أو تقليصه. وليس فقط "اختياره" بوعي مستقل عن الضغوط المعيشية.

وهذا النمط يتسق مع ما تُظهره تجارب دولية مشابهة. إذ يرى باحثون أن تراجع الخصوبة في مجتمعات عديدة يرتبط بعوامل مثل ارتفاع تكلفة تربية الأطفال (التعليم والرعاية الصحية والحضانة). وأزمة السكن وصعوبة الحصول على مسكن مناسب. وهي عوامل ضغط اقتصادي تدفع الأسر لتقليص الإنجاب كوسيلة تأقلم مع الظروف المعيشية الصعبة. وليس بالضرورة كنتيجة مباشرة لبرامج تنظيم الأسرة وحدها.

اقرأ أيضا

Exit mobile version