أرقام الوفيات تلاحق الرواية الرسمية.. ماذا تكشف واقعة الاحتجاج في سجن المنيا؟

تحدث مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن تلقيه إفادات ونداءات استغاثة من داخل أحد مراكز الإصلاح والتأهيل في محافظة المنيا، تشير إلى تصاعد التوتر والاحتجاجات بين المحتجزين، تزامناً مع تحركات أمنية لمنع مشاركة معتقلين في إضراب مزمع خلال أكتوبر المقبل، في واقعة تعيد تسليط الضوء على ملف أوسع بكثير: توثيق حقوقي مستمر لمئات حالات الوفاة داخل مراكز الاحتجاز المصرية خلال السنوات الأخيرة.

تفاصيل الاحتجاج في المنيا

بحسب الإفادات التي نشرها مركز الشهاب، امتنع محتجزون في العنبر رقم 5 عن الدخول إلى العنابر، وعرض عدد منهم مطالبهم الأربعاء الماضي على الضابط المسؤول الذي وعد بالنظر فيها على أن يُعاد عرضهم السبت لمتابعة التنفيذ.

وفي العنبر رقم 4، أفاد المركز بأن أحد المضربين حاول الانتحار عبر شنق نفسه قبل أن تتدخل إدارة السجن لإنقاذه، ليجتمع ضابط الأمن بعدها مع المضربين ويقدم وعوداً جديدة بشأن مطالبهم.

وأشار المركز إلى تحركات لضباط من قطاع الأمن الوطني بين عدد من السجون، من بينها برج العرب والمنيا وليمان شديد ووادي النطرون، بهدف الضغط على المحتجزين لمنعهم من المشاركة في الإضراب المرتقب.

النفي الحكومي: نمط متكرر

نفت وزارة الداخلية المصرية، عبر حسابها على منصة "إكس"، صحة ما وصفته بمنشورات متداولة عن إضراب نزلاء المركز عن الطعام احتجاجاً على انتهاكات، ناقلة عن مصدر أمني أن هذه المزاعم "لا أساس لها من الصحة"، واتهم المصدر صفحات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين بالوقوف وراء "حملة ممنهجة وأكاذيب زائفة ومتكررة" بهدف الحصول على مزايا لعناصر الجماعة داخل مراكز الإصلاح "خارج الأطر القانونية".

وهذا ليس أول نفي من نوعه، إذ سبق لوزارة الداخلية أن نفت منشورات مماثلة تحدثت عن إضراب نزلاء أحد سجون المنيا عن الطعام احتجاجاً على انتهاكات مزعومة.

الصورة الأوسع: مئات الوفيات الموثقة منذ 2013

تكشف تقارير حقوقية متعددة أن واقعة المنيا ليست حادثة معزولة، بل تندرج ضمن نمط موثق من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز المصرية امتد لأكثر من عقد.

فبحسب منظمة "حقهم" الحقوقية، تجاوز عدد حالات الوفاة داخل السجون المصرية منذ عام 2013 وحتى الآن 1176 حالة.

وفي تقرير موسّع أصدرته منظمة "صحفيات بلا قيود" في يونيو 2025 بعنوان "سجون بلا مفاتيح: كيف تقتل الزنزانة العمر والأمل في مصر"، وثّقت المنظمة وفاة ما لا يقل عن 1160 محتجزاً خلال السنوات العشر الأخيرة، منهم 74% بسبب ما وصفته بـ"الإهمال الطبي المتعمد"، في وقت لا يزال فيه أكثر من 60 ألف معتقل سياسي خلف القضبان، بينهم نساء وأطفال وصحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، كثير منهم دون محاكمة أو استناداً إلى تهم وصفتها المنظمة بـ"الفضفاضة".

كما وثّقت منظمة "هيومن رايتس إيجيبت" وفاة 54 معتقلاً خلال عام 2025 وحده، متنوعة الأسباب بين الإهمال الطبي المتعمد والتعذيب، فيما رصدت منظمة "عدالة لحقوق الإنسان" حالات وفاة متعددة بسبب الحرمان من العلاج أو منع نقل المحتجزين إلى المستشفيات في الوقت المناسب.

وفي واقعة أثارت جدلاً حقوقياً واسعاً عام 2023. أعلنت منظمات حقوقية وفاة معتقلين سياسيين خلال أقل من أسبوع واحد. لترتفع حصيلة الوفيات المسجلة في تلك السنة وحدها إلى 31 حالة. وسط دعوات لوقف استخدام الحبس الاحتياطي "كسلاح موجه ضد كل من يعارض أو يكشف انتهاكات حقوق الإنسان".

حالات موثقة بالاسم

من بين الحالات التي وثقتها تقارير حقوقية بالاسم: المعتقل السياسي أشرف محمد عثمان (48 عاماً). مدرّس الأحياء بالأزهر من محافظة الغربية، الذي توفي داخل سجن "بدر 1" نتيجة إهمال طبي بعد إصابته بمرض السرطان. بحسب منظمة حقوقية بريطانية اتهمت السلطات المصرية بالاستمرار في انتهاكات بحق المعتقلين السياسيين.

كما وثقت تقارير أخرى وفاة محمد علاء الدين (64 عاماً) ضمن حالتي وفاة فقدت خلالهما. عائلة الإعلامي المعارض محمد ناصر اثنين من أفرادها في أقل من أسبوعين داخل السجون.

وتشير تقارير حقوقية أخرى إلى معاناة مستمرة لمعتقلين من ذوي الإعاقة والأمراض المزمنة. من بينهم حالات إصابة بأورام ومشكلات في الأوتار تستلزم تدخلاً جراحياً عاجلاً دون أن تحصل على الرعاية اللازمة في الوقت المناسب. وهو ما وصفه ناشطون حقوقيون بأنه "إهمال طبي متعمد قد يرقى لدرجة التعذيب".

شكاوى متكررة من ظروف الاحتجاز والزيارات

إلى جانب ملف الوفيات، توثق تقارير حقوقية شكاوى متكررة من أهالي معتقلين. من بينها ما نقله مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن أهالي معتقلين في سجن أبو زعبل بشأن إجراءات تفتيش وصفوها بـ"المهينة". شملت "العبث بمحتويات الزيارات" ورفض إدخال احتياجات أساسية كالطعام والعلاج إلا بكميات محدودة. وهو ما قال الأهالي إنه تسبب في "غضب وسخط واحتقان متزايد" بين المعتقلين، خصوصاً في العنابر السياسية.

اقرأ أيضا

رئيس "القومي لحقوق الإنسان" يدعو للحوار.. وحقوقيون: الأولوية لإنهاء انتهاكات السجون

Exit mobile version