"قضية وجودية لا تحتمل المساومة".. مصر تجدد تحذيرها من سد النهضة أمام الأمم المتحدة
جدد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ81 الجمعة، تأكيد بلاده أن الأمن المائي لمصر "قضية وجودية لا تحتمل المساومة"، مؤكداً أن نهر النيل ليس مجرد مورد اقتصادي بل "شريان حياة" ارتبط به وجود المجتمع المصري عبر التاريخ.
جاءت هذه التصريحات، التي ترأس خلالها مدبولي وفد مصر بالإنابة عن عبد الفتاح السيسي، في سياق تصاعد ملحوظ لأزمة سد النهضة الإثيوبي بعد اكتمال تشغيله بالكامل.
"حق مشروع" تكفله المواثيق الدولية
شدد مدبولي على أن مصر "تحتفظ بحقها المشروع والمكفول في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في حماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها"، داعياً إلى أن تكون موارد المياه العابرة للحدود مجالاً للتعاون لا للصراع، وأن الإرادة السياسية وحسن النوايا شرطان ضروريان لتحقيق التكامل بين الأمن المائي والتنمية.
وأكد عدم معارضة مصر لمساعي التنمية لدى دول حوض النيل الأخرى، لكنه شدد على دفاع القاهرة عن مبدأ "عادل" يقوم على ألا تبني بعض الأطراف تنميتها على إلحاق الضرر بالآخرين، داعياً إلى التوصل لاتفاقيات ملزمة وفق القانون الدولي تحقق مصالح جميع الأطراف، بدلاً من "السياسات الأحادية الطرف وفرض الأمر الواقع".
لماذا تتصاعد اللهجة الآن؟ اكتمال السد وغياب اتفاق ملزم
يأتي هذا التجديد للموقف المصري في توقيت شديد الحساسية، إذ اكتمل سد النهضة الإثيوبي بالكامل في سبتمبر 2025 وأصبح قيد التشغيل الفعلي، دون التوصل إلى أي اتفاق ثلاثي ملزم بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، رغم مرور أكثر من 15 عاماً على بدء المفاوضات.
ويرى الباحث بشير عبد الفتاح أن جوهر الخلاف الراهن لم يعد يتعلق بالإنشاءات، بل بإصرار إثيوبيا على إدارة السد بشكل منفرد دون آلية ملزمة للتنسيق مع دولتي المصب، محذراً من أن قواعد التعامل مع الأنهار الدولية تحكمها أعراف تقضي بأن سيادة أي دولة على مواردها المائية لا تعني حقها في اتخاذ قرارات منفردة تؤثر على دول أخرى تشاركها المجرى المائي نفسه.
الأرقام: مصر تحت خط الفقر المائي العالمي
تكشف بيانات وزارة الري المصرية حجم الأزمة بوضوح: تعاني مصر من عجز مائي يبلغ نحو 55%، وتعتمد على النيل كمصدر شبه وحيد للمياه بنسبة 98%، بواقع حصة سنوية تُقدَّر بنحو 55.5 مليار متر مكعب، في حين تتجاوز احتياجاتها المائية الفعلية 127 مليار متر مكعب سنوياً، ما يعني فجوة تفوق 70 مليار متر مكعب يتم تعويض جزء منها حالياً عبر مصادر بديلة مكلفة كتحلية مياه البحر وإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي.
ويقترب نصيب الفرد المصري من المياه من نحو 472 إلى 500 متر مكعب سنوياً، وهو مستوى يضع مصر عند حد خط الفقر المائي العالمي أو دونه مباشرة، ما يجعلها من أكثر دول العالم شحاً في المياه رغم اعتمادها شبه الكلي على نهر واحد.
بعد عقد من "اتفاق المبادئ".. حصيلة محدودة
يحل هذا التصعيد الخطابي بعد نحو عقد كامل من توقيع "اتفاق إعلان المبادئ" حول سد النهضة في مارس 2015، والذي احتُفي به حينها في القاهرة كإنجاز دبلوماسي يحفظ حصة مصر دون الدخول في مواجهة مباشرة.
لكن خبراء مصريين يرون أن هذا الاتفاق، بعد مرور 10 سنوات عليه. أسهم عملياً في تقوية الموقف الإثيوبي أكثر مما خدم المصالح المصرية. إذ رفعت أديس أبابا سقف طموحاتها ومضت في ملء السد على مدى خمسة مواسم متتالية دون التوصل لاتفاق ثلاثي ملزم. فيما فشلت عشرات الجولات التفاوضية التي رعتها الأمم المتحدة ومنظماتها والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة في كسر هذا الجمود.
تلويح مصري بـ"توجه آخر" حال المساس بالحصة المائية
في تصريحات سابقة لمدبولي، حذّر رئيس الوزراء المصري من أن. "أي معطيات جديدة في قضية سد النهضة من شأنها أن تؤثر على حصة مصر المائية. سيكون لبلاده توجه آخر تماماً"، موضحاً أن القاهرة تتحرك حالياً في إطار مسارات دبلوماسية وفنية. لكنها تحتفظ بخيارات أخرى إذا تعرض أمنها القومي لضرر فعلي.
كما أكد وزير الخارجية المصري وجود "آليات" لدى بلاده للتعامل مع الأزمة. مشدداً على أن مصر تملك "الإجراءات والسياسات" اللازمة في حال حدوث ضرر مباشر لأمنها القومي. وهو ما عكسته أيضاً تصريحات لاحقة لمسؤولين برلمانيين وصفت الموقف المصري بأنه "حاسم" فيما يخص أي مساس بالحقوق المائية.
سؤال جديد: استخدامات كهرباء السد
يطرح تطور لافت آخر في الأزمة سؤالاً إضافياً حول أولويات إثيوبيا في إدارة السد. بعدما تكشّف عن توسع أديس أبابا في استخدام جزء من الطاقة الكهربائية المولدة من السد في أنشطة تعدين العملات الرقمية مثل البيتكوين. وهي أنشطة شديدة الاستهلاك للكهرباء.
ويثير هذا التوجه تساؤلات لدى مراقبين حول مدى استفادة المواطن الإثيوبي العا.ي من طاقة السد . لذي كان الغرض المعلن من إنشائه أساساً توفير الكهرباء للسكان المحليين وتحقيق التنمية. مقابل تخصيص جزء منها لأنشطة رقمية لا ترتبط مباشرة باحتياجات التنمية المحلية المعلنة أصلاً كمبرر رئيسي لبناء السد.



