فتوى التبرع بالأعضاء.. ضوابط شرعية صارمة تصطدم بواقع موثق لتجارة مزدهرة في مصر

أجاب الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف الأسبق، عن التساؤلات المتكررة بشأن حكم التبرع بالأعضاء البشرية، مستعرضاً خلال تصريحات تلفزيونية مختلف الآراء الفقهية في هذا الملف الحساس، وسط ضوابط شرعية شدد عليها بوضوح لمنع تحوّل التبرع إلى غطاء للبيع، في وقت تكشف فيه تقارير دولية ومحلية موثقة أن مصر تصنَّف من بين أكثر دول العالم نشاطاً في تجارة الأعضاء البشرية غير المشروعة.

بين التحريم والإجازة بضوابط

أوضح جمعة أن بعض العلماء لم يُجيزوا التبرع بالأعضاء أساساً، انطلاقاً من مبدأ أن "الجسد ملك لله" وبالتالي لا يجوز التبرع به ولا بيعه، فيما أجازه فقهاء آخرون بشروط صارمة، أبرزها ألا يضر التبرع بالمتبرع نفسه أو يؤثر على حياته، وأن تُجرى العملية تحت إشراف طبي وقانوني كامل.

ولفت إلى إجماع العلماء والفقهاء، على اختلاف مواقفهم من مسألة التبرع نفسها، على حرمة بيع الأعضاء قطعياً، مستشهداً بالقانون المصري الذي يجرّم هذه الممارسة بشكل كامل.

وأكد جمعة منهجاً عاماً في تناول القضايا التي تحتمل بعداً علمياً، قائلاً: "في القضايا العلمية رأي الدين لا يأتي أولاً قبل رأي العلم، تسمع رأي العلم الأول وبعده تأخذ رأي الدين، ويُبنى على القضية العلمية"، مشيراً إلى أنه شخصياً يجيز التبرع بالأعضاء لكن بضوابط حازمة تشمل عدم الإضرار بصحة المتبرع، ووجود قوانين حاكمة تمنع تسهيل البيع تحت مسمى التبرع، وأن يكون التبرع "بمعنى الكلمة" حقيقياً دون توسع في تفسيره.

مقترح جمعة لسد ثغرة "البيع تحت غطاء التبرع"

خروجاً من شبهة "البيع تحت غطاء التبرع"، اقترح جمعة أن يوجّه الراغب في التبرع تبرعه لمستشفى محدد، تتولى هي تحديد متلقي العضو وفق قائمة أولويات وضوابط معتمدة لديها، بدلاً من ترك الأمر لاتفاقات مباشرة وفردية بين المتبرع والمتلقي قد يسهل فيها التحايل.

كما شدد على أن التبرع بالأعضاء ينبغي أن يكون الخيار الأخير فقط عند عدم توافر أي بديل علمي أو علاجي آخر، "تجنباً لاستغلال حاجة الفقراء".

واقع موازٍ: مصر ضمن أكثر دول العالم نشاطاً في تجارة الأعضاء

يكتسب هذا النقاش الفقهي أهمية خاصة في ضوء واقع موثق بتقارير دولية ومحلية متعددة يكشف حجم أزمة تجارة الأعضاء البشرية غير المشروعة في مصر.

فبحسب دراسة أجراها "التحالف الدولي لمكافحة تجارة البشر". تحتل مصر المركز الثالث عالمياً في زراعة وتجارة الأعضاء البشرية بعد الهند والصين. مع تسجيل نحو 1500 عملية زراعة أعضاء غير قانونية سنوياً وفق هذه الدراسة.

كما وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية مصر بأنها "مركز عالمي" لتجارة الأعضاء البشرية. فيما كشف تقرير للبرلمان الأوروبي أن مصر إحدى المراكز الرئيسية لهذه التجارة عالمياً. ووصفتها منظمة الصحة العالمية بأنها "مركز إقليمي" لتجارة الأعضاء وضمن أعلى خمس دول عالمياً في تصديرها.

كما أظهر تحقيق استقصائي ألماني بثته "فرانس 24". كيف يُستغل فقراء مصريون كـ"مخزن لقطع الغيار البشرية" بحسب وصف الصحافي المعد للتحقيق. في وقت نفت فيه وزارة الصحة رسمياً صحة هذه الاتهامات. واصفة التحقيق بأنه "مفبرك" ويهدف للإضرار بالسياحة العلاجية والأمن القومي المصري. مؤكدة أن عمليات الزراعة تتم في إطار قانوني وبعد توقيع "المتبرع". عقد تنازل رسمي في الشهر العقاري للتأكد من عدم وجود شبهة اتجار.

القانون صارم على الورق

يضع القانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن تنظيم زراعة الأعضاء البشرية قيوداً صارمة تمنع التبرع إلا بين الأقارب من المصريين. أو بموافقة لجنة خاصة تابعة لوزير الصحة في حالات أخرى. بشرط أن يكون التبرع "ضرورة ليس هناك سواها"، ويجرّم القانون صراحة حصول المتبرع على أي مقابل أو أجر أو مكافأة. مع عقوبات تصل إلى السجن المشدد للوسيط والطبيب والمستفيد على حد سواء.

اقرأ أيضا

رفضا للانتهاكات.. معتقلون في السجون يعلنون إضرابا موحداً عن الطعام أول الشهر الجاري

Exit mobile version