مصر تستأنف تصدير الغاز المسال رغم استمرار أزمة الإنتاج المحلي
اتفقت مصر مع شركتي "شل" و"بتروناس" على استئناف تصدير شحنات الغاز الطبيعي المسال من مجمع إدكو للإسالة بدءا من أكتوبر، بحسب ما كشفه مسؤول في شركة "شل" لـ"الشرق بلومبرج".
وبحسب التفاصيل المتاحة، تضع الأطراف حاليا اللمسات الأخيرة على برنامج التصدير من حيث عدد الشحنات والكميات المستهدفة، على أن تكون الشحنة الواحدة بحمولة نحو 150 ألف متر مكعب من الغاز المسال.
وسبق أن صدّرت مصر بالفعل شحنات مشابهة من المجمع نهاية 2025 ومطلع 2026، ضمن برنامج سابق كان يسمح للشركتين بتصدير 7 شحنات خلال أشهر الشتاء تحديدا، حين ينخفض الطلب المحلي على الغاز مقارنة بأشهر الصيف.
إنتاج لا يغطي حتى الاستهلاك العادي
يكشف الرقم الأهم في هذا الملف عن حجم التحدي الفعلي الذي تواجهه منظومة الطاقة المصرية. تراجع الإنتاج المحلي إلى نحو 3.8 مليار قدم مكعبة يوميا. مقابل استهلاك يبلغ نحو 6.5 مليار قدم مكعبة في الأيام العادية غير الصيفية أصلا. ويرتفع إلى 7.5 مليار قدم مكعبة خلال ذروة الصيف. أي أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تتراوح بين 2.7 و3.7 مليار قدم مكعبة يوميا. تُغطى حاليا عبر الاستيراد المكلف من الخارج. كما كشفت بيانات سابقة عن ارتفاع فاتورة واردات الوقود المصرية بشكل حاد خلال 2026.
كيف يمكن التصدير مع وجود هذه الفجوة؟
الإجابة الفنية تكمن في الطبيعة الموسمية الحادة للاستهلاك المصري من الغاز. فالفارق الكبير بين استهلاك الصيف (7.5 مليار قدم مكعبة، مدفوعا بالتكييف ومحطات توليد الكهرباء) واستهلاك الشتاء الأقل حدة يخلق "فائضا تشغيليا" مؤقتا في طاقة مصانع الإسالة خلال الأشهر الباردة تحديدا - وهو الفائض الذي تستغله مصر لتصدير كميات محدودة. لا لأن أزمة الإنتاج قد حُلت، بل لأن الطلب المحلي نفسه ينخفض مؤقتا في هذا التوقيت من العام.
لكن هل هذا يبرر استمرار التصدير اقتصاديا؟
هنا يكمن جوهر الجدل المشروع حول هذه السياسة. فحتى مع تراجع الطلب الشتوي، يظل الإنتاج المحلي (3.8 مليار قدم مكعبة) أقل من الاستهلاك الشتوي نفسه (6.5 مليار قدم مكعبة). بفارق كبير يقارب 2.7 مليار قدم مكعبة يوميا - ما يعني أن مصر، حتى في "موسم الفائض" الذي تصدّر خلاله. لا تزال تعتمد بشكل أساسي على الاستيراد لسد احتياجاتها المحلية الأساسية، لا على إنتاجها الذاتي فقط.
هذا يطرح سؤالا اقتصاديا جوهريا: هل العائد الدولاري من تصدير هذه الشحنات المحدودة. (المهم لموازنة النقد الأجنبي في ظل أزمة الدولار) يفوق كلفة الاستمرار في استيراد كميات أكبر لتعويض ما يُصدَّر؟
هذه معادلة مالية معقدة تحكمها عادة عقود تصدير واستيراد منفصلة بأسعار وشروط مختلفة، وليست مقايضة مباشرة بالكميات فقط. لكنها تبقى معادلة تستحق شفافية أكبر من الجهات الرسمية حول جدواها الصافية للمواطن في نهاية المطاف.
من يتحمل فاتورة هذه الفجوة في النهاية؟
بصرف النظر عن التفاصيل الفنية لتوقيت التصدير، يبقى الواقع الأساسي الذي يعيشه المواطن المصري كما هو. استمرار الاعتماد الكبير على الاستيراد المكلف بالعملة الصعبة لسد فجوة الطاقة المحلية. في وقت تنعكس فيه أعباء هذا الاستيراد - جزئيا على الأقل - على تسعير الطاقة والخدمات المرتبطة بها محليا. وسط أزمة اقتصادية معيشية موثقة تشمل تضخما مرتفعا وتراجعا حادا في القدرة الشرائية طال الفئات الأكثر فقرا بشكل غير متناسب. كما توثق تقارير اقتصادية سابقة.



