لا تعتزم مصر الطعن على الحكم القضائي الإيطالي الذي أدان ثلاثة مسؤولين أمنيين مصريين غيابياً بتهمة اختطاف الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، الذي عُثر على جثته بعد أيام من اختفائه في القاهرة عام 2016 وعليها آثار تعذيب.
ونفى مصدر دبلوماسي مصري لصحيفة "الشرق الأوسط" أي نية للاستئناف، مؤكداً أن القاهرة "تجاهلت مسار المحاكمة منذ البداية ولن تتفاعل معها"، ومستبعداً تأثر العلاقات الثنائية بالحكم.
تفاصيل الحكم: إدانة بالاختطاف لا بالقتل
قضت محكمة الجنايات في روما، الاثنين، بسجن ثلاثة ضباط مصريين -مجدي شريف وهشام حلمي وآسر كمال محمد إبراهيم- عشر سنوات لكل منهم، بعد إدانتهم بتهمة "اختطاف مصحوب بإحداث إصابات جسدية خطيرة" بحق ريجيني، بينما برّأت المحكمة اللواء طارق صابر، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوطني، من التهمة ذاتها.
والمهم هنا أن الحكم لا يمثل إدانة بجريمة القتل أو التعذيب تحديداً، إذ أسقطت المحكمة عن شريف تهمة "التآمر لارتكاب جريمة قتل مشددة" التي كان الادعاء الإيطالي قد طالب على أساسها بالسجن المؤبد له في يونيو الماضي.
وعلّق المتحدث باسم منظمة العفو الدولية في إيطاليا، ريكاردو نوري، على هذه النقطة تحديداً موضحاً أن عدم ثبوت تهمة القتل يعكس، في تقديره، "عدم توافر أدلة كافية لدى الجانب الإيطالي لإثباتها بحق المتهمين"، وليس تبرئة من الاتهام في جوهره.
وحوكم المتهمون الأربعة غيابياً بموجب تشريعات إيطالية تسمح بمقاضاة مرتكبي جرائم بحق مواطنين إيطاليين في الخارج، بعدما أكدت السلطات الإيطالية أنها لم تستطع تحديد أماكن وجودهم، رغم محاولات دبلوماسية وقضائية تجاوزت 30 مرة، بحسب أحد أعضاء فريق الادعاء، للحصول على عناوين المشتبه بهم عبر القنوات الرسمية دون تلقي رد.
فجوة صادمة بين تقريرين طبيين
من أبرز ما كشفته هذه القضية على مدار سنوات التقاضي هو التناقض الصارخ بين نتائج الفحص الطبي الشرعي الذي أجرته السلطات المصرية ونظيره الإيطالي: فبينما رصد التقرير الرسمي المصري كسراً واحداً فقط في الذراع اليمنى لريجيني، وثّقت الفحوصات الطبية المتقدمة والأشعة المقطعية التي أُجريت في إيطاليا وجود 20 كسراً في جثته، من بينها خمسة كسور في الأسنان وخمسة عشر كسراً في عظام الجسم المختلفة، إلى جانب حفر أحرف على جسده.
هذه الفجوة تحديداً استُحضرت مراراً خلال المحاكمة كدليل على ما وصفه منتقدون بمحاولة تستر رسمي على حجم الجريمة الفعلي.
لماذا لا تطعن مصر؟ التجاهل كإستراتيجية
أوضح المصدر الدبلوماسي المصري أن "استئناف الحكم يعني تقديم طلب رسمي للقضاء الإيطالي، وهذا غير وارد، لأنه لا يوجد أي تفاعل مصري على المستوى الرسمي مع المحاكمة منذ بدايتها".
وفي رؤية القاهرة، يحمل الحكم بعض النقاط الإيجابية، إذ يرى المصدر أن "الحكم لم يوجه إدانة للمؤسسات الحكومية المصرية، وإنما عاقب أفراداً على تصرفات فردية"، مشيراً أيضاً إلى تبرئة طارق صابر وإسقاط تهمة القتل عن شريف، معتبراً أن ذلك "ينفي أي تهم للتعذيب حسبما كان يتردد".
من جانبه، أوضح عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد، منطق هذا التجاهل بشكل أكثر مباشرة، قائلاً: "أي تفاعل مصري مع الحكم يعني الاعتراف بارتكاب جريمة، لذلك يبقى التجاهل المصري للملف هو الخيار الأقرب"، مؤكداً وجود اتفاق بين البلدين على "تعزيز العلاقات المشتركة في مختلف المجالات" مع التعامل مع قضية ريجيني. "باعتبارها جريمة استثنائية فردية تعالج بشكل قانوني" منفصل عن مسار العلاقات الثنائية.
قراءة حقوقية مغايرة: حماية القيادات العليا
في المقابل، تطرح قراءة حقوقية مختلفة جذرياً دوافع الامتناع المصري عن التعاون. فقد أكد بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، عبر حساباته الرسمية. أن خيار السلطات المصرية بالامتناع عن تسليم الضباط ومقاطعة المحاكمة "يهدف إلى حماية القيادات الأعلى التي أصدرت الأوامر بالتعذيب والقتل". مفضّلة -بحسب وصفه- "التضحية بسمعة الدولة ومؤسساتها القضائية. والطبية على كشف آليات عمل أجهزتها الأمنية التي تعتبر التعذيب أداة حكم يومية".
ولفت إلى أن التعرف على الجناة أصلاً تم بفضل شهادات حية أدلى بها معتقلون سابقون. من بينهم فلسطينيون، كانوا محتجزين في مقار الاحتجاز السرية ذاتها.
هل تتأثر العلاقات الثنائية؟ الرهان على "الفصل" بين الملفين
يراهن الجانب المصري بوضوح على إمكانية الفصل الكامل بين مسار قضية ريجيني القضائي ومسار العلاقات الثنائية المتنامية مع روما.
ويستند هذا الرهان إلى معطى واقعي: فقد استعادت العلاقات المصرية الإيطالية زخماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. خصوصاً منذ تولي رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني السلطة عام 2022 وسعيها لإعادة بناء العلاقات مع الرئاسة المصرية. لتصبح مصر شريكاً مهماً لإيطاليا في ملفات الهجرة وأمن الطاقة والاستقرار في شمال أفريقيا وشرق المتوسط.
وقد استضافت القاهرة في الثالث من سبتمبر الجاري اللجنة العليا المشتركة بين البلدين برئاسة وزيري الخارجية. لأول مرة منذ عام 2014، إلى جانب منتدى أعمال لتعزيز التعاون الاقتصادي. في مؤشر ملموس على هذا التقارب المتصاعد الذي يريد الجانب المصري ألا يتأثر بالحكم الأخير.
جدل سياسي داخل إيطاليا حول موقف الحكومة
على الجانب الإيطالي، أثار الحكم جدلاً سياسياً وحقوقياً واسعاً، إذ وصف وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني الحكم بأنه "محدود". مشيراً إلى أنه صادر عن محكمة الدرجة الأولى ولم يحدد هوية "قتلة" ريجيني بشكل نهائي. وقال: "مصر لم تُدن في القضية. بل أُدين 3 أشخاص"، في تصريح ظل حذراً بشكل عام إزاء الحديث عن مسؤولية الحكومة المصرية. رغم ما وصفه منتقدون بأنها مسؤولية "واضحة للغاية" على الأقل فيما يتعلق بعرقلة التحقيقات لسنوات.
وأثار هذا الموقف انتقادات حادة من المعارضة الإيطالية. إذ وصفته النائبة عن الحزب الديمقراطي ديبورا سيراكياني بأنه موقف "خطير" يخاطر بـ"تبرئة مصر فعلياً". ودفع إيطاليا للتراجع عن السعي لكشف الحقيقة.
كما حثت أليساندرا باليريني، محامية عائلة ريجيني، الحكومة الإيطالية على اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه القاهرة، بل ودعت إلى قطع العلاقات معها.
ماذا بعد؟ تحديات قانونية ودبلوماسية معقدة
رغم صدور الحكم، فإنه لا يعني أن المتهمين الثلاثة على وشك تنفيذ أي عقوبة فعلية في الوقت الحالي. بما أنهم حوكموا غيابياً ولا يزالون في مصر دون معرفة أماكن إقامتهم بدقة.
كما قضت المحكمة بإلزام المدانين الثلاثة بدفع تعويضات لعائلة ريجيني وللدولة الإيطالية. شملت دفعة مؤقتة واجبة التنفيذ فوراً بقيمة 500 ألف يورو لعائلة ريجيني و150 ألف يورو للدولة الإيطالية. وإن كان تحصيل هذه المبالغ عملياً من أشخاص مقيمين في مصر وخارج متناول القضاء الإيطالي المباشر يظل أمراً بالغ التعقيد قانونياً ودبلوماسياً.
