بعد تصريحات السيسي.. هل لا تزال الدبلوماسية تملك فرصة لحل أزمة سد النهضة؟
رغم مرور أكثر من عقد على اندلاع أزمة سد النهضة، عاد عبد الفتاح السيسي ليؤكد أن القاهرة ما زالت تمنح "المساحة للدبلوماسية والحلول السلمية"، لكنه ربط ذلك بخط أحمر واضح، قائلاً إن هذا المسار "لن يكون على حساب وجود مصر وشعبها"، في إشارة إلى تمسك القاهرة بحقوقها المائية، رغم تعثر المفاوضات مع إثيوبيا.
وجاءت تصريحات السيسي خلال اجتماع موسع ضم رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وأعضاء الحكومة والمحافظين وكبار قادة القوات المسلحة والشرطة، إلى جانب عدد من الخبراء والعمد والمشايخ، بمقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الإدارية الجديدة، حيث تناول الرئيس عدداً من الملفات الداخلية والإقليمية، وفي مقدمتها أزمة سد النهضة.
وقال السيسي إن السد "لم يُبنَ إلا في ظل الظروف التي مرت بها الدولة المصرية بين عامي 2011 و2013 وغياب الدولة"، معتبراً أن تلك المرحلة كلفت مصر ثمناً باهظاً، في إشارة إلى الاضطرابات السياسية التي صاحبت ثورة يناير وما أعقبها.
مسار دبلوماسي يواجه طريقاً مسدوداً
وتأتي تصريحات السيسي في وقت تبدو فيه فرص استئناف المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا محدودة، بعدما توقفت جولات التفاوض أكثر من مرة، دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد.
وعلى مدار أكثر من عشر سنوات، راهنت مصر على الوساطة الدولية والإقليمية، بداية من المفاوضات الثلاثية، مروراً بوساطة الولايات المتحدة والبنك الدولي، ثم انتقال الملف إلى الاتحاد الأفريقي، وصولاً إلى دعوات أوروبية وأمريكية خلال الأشهر الأخيرة لإحياء الحوار، إلا أن جميع تلك المسارات انتهت دون اختراق حقيقي، في ظل تمسك إثيوبيا باستكمال مشروعها ورفضها توقيع اتفاق تعتبره القاهرة ضرورياً لحماية حقوقها التاريخية في مياه النيل.
على ماذا يعول السيسي؟
وتشير تصريحات الرئيس إلى أن القاهرة لا تزال تراهن على الشرعية الدولية والضغط الدبلوماسي باعتبارهما الخيار الأول في إدارة الأزمة، مع الاستمرار في طرح الملف داخل المحافل الدولية والإقليمية، وإبقاء القضية حاضرة سياسياً وقانونياً.
كما يبدو أن الدولة تراهن على ثلاثة مسارات متوازية:
- مواصلة الضغوط السياسية والدبلوماسية لإقناع المجتمع الدولي بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم.
- تقليل آثار العجز المائي عبر مشروعات تحلية المياه وإعادة تدويرها وترشيد استخدامها.
- الحفاظ على موقف سياسي يؤكد أن خيار السلام لا يعني التنازل عن الحقوق المائية أو القبول بالأمر الواقع.
وفي الوقت نفسه، حملت تصريحات السيسي رسالة بأن استمرار المسار الدبلوماسي لا يعني غياب أدوات أخرى تمتلكها الدولة. وإن لم يفصح عنها، عندما أكد أن مصر لديها "أدوات سوف تترتب على استغلالها نتائج إيجابية". مع التشديد على أن الحفاظ على الدولة وحقوقها يمثل أولوية.
هل لا تزال الدبلوماسية قادرة على تغيير الواقع؟
عملياً، يرى كثير من المراقبين أن مساحة المناورة الدبلوماسية أصبحت أضيق مما كانت عليه قبل سنوات. خاصة بعد اكتمال بناء السد ووصول إثيوبيا إلى مراحل التشغيل الفعلي. وهو ما منح أديس أبابا واقعاً جديداً على الأرض يصعب تجاهله.
وفي المقابل، تتمسك القاهرة بموقفها القائم على أن اكتمال بناء السد لا يمنح المشروع شرعية قانونية. ولا يسقط حقها في المطالبة باتفاق ملزم ينظم تشغيله ويحمي الأمن المائي المصري.



