"لجنة إعلامية إخوانية".. هكذا بررت الداخلية اعتقال فريق "متصدقش" بالكامل

كسرت وزارة الداخلية صمتها بشأن مصير الصحفيين الستة المعتقلين من فريق منصة "متصدقش"، بإصدار بيان رسمي يصف المنصة بأنها "لجنة إعلامية تابعة لجماعة الإخوان الإرهابية" على حد وصفها، تُدار من الخارج بتمويل مالي، في تكرار لنمط تبرير بات مألوفاً في التعامل مع أصوات إعلامية مستقلة منتقدة.

رواية الداخلية الكاملة

قالت وزارة الداخلية، في بيانها، إنه "في إطار متابعة مخططات جماعة الإخوان الإرهابية الرامية للنيل من حالة الاستقرار التي تنعم بها البلاد من خلال اختلاق الأكاذيب وترويج الشائعات"، رصدت الأجهزة الأمنية صفحة "متصدقش" غير المرخصة والتي "تُدار من الخارج"، وتبيّن من الفحص أنها "ضمن اللجان الإعلامية لجماعة الإخوان"، يديرها شخص وصفته بـ"الإخواني الهارب بالخارج عبد الرحمن شكري علي عبد الجليل منصور"، يعاونه داخل البلاد "عدد من العناصر الإخوانية" تُعد الأخبار "المغلوطة والمفبركة" وترسلها له لنشرها "مقابل تمويل مالي يحصلون عليه من الخارج".

وأكدت الوزارة ضبط 6 من "أعضاء اللجنة الإعلامية" المشار إليها، أحدهم مقيد بنقابة الصحفيين والباقون غير مقيدين، مشيرة إلى إحاطة نقيب الصحفيين بضبط الصحفي المسجل لديها.

نقابة الصحفيين: تطالب بضمانات لا تسلّم بالوصف الأمني

في المقابل، لم تتعامل نقابة الصحفيين مع المقبوض عليهم بوصف "اللجنة الإعلامية الإخوانية" الذي استخدمته الداخلية، بل تحركت رسمياً فور تلقيها شكاوى من محامين وزملاء بشأن "القبض على ستة من العاملين بمنصة متصدقش"، فتقدمت ببلاغ للنائب العام وشكوى لوزير الداخلية طالبت فيهما بالكشف عن أسباب القبض عليهم ومكان احتجازهم، وتمكينهم من كامل الضمانات القانونية، وصولاً إلى المطالبة بالإفراج عنهم، معلنة استعدادها لضمان مثولهم أمام جهات التحقيق مع حضور محامين وفق القانون.

وهذا التعامل النقابي -الذي يصف المحتجزين بأنهم "عاملون بمنصة إعلامية" يستحقون ضمانات مهنية، لا "عناصر" في لجنة تابعة لتنظيم محظور- يعكس فجوة واضحة بين الرواية الأمنية والرواية النقابية لذات الواقعة.

يصطدم وصف الداخلية بسيرة "متصدقش" المعلنة والمعروفة إعلامياً منذ سنوات: فالمنصة أسسها الصحفي الراحل محمد أبو الغيط عام 2018 كمبادرة صحفية مستقلة للتحقق من الأخبار ومكافحة المعلومات المضللة، ويديرها منذ ذلك الحين فريق من الصحفيين الشباب الذين عرّفوا أنفسهم مراراً بأنهم "غير منتمين لأي أحزاب أو جماعات سياسية"، مع سياسة تحريرية تبقي هويات بعض أعضاء الفريق سرية لأسباب أمنية تتعلق بظروف العمل الصحفي في مصر، لا بالانتماء التنظيمي.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها أحد صحفيي المنصة للاعتقال، إذ سبق أن ألقي القبض على الصحفي كريم أسعد في أغسطس 2023 عقب نشر المنصة تحقيقاً عن طائرة مصرية احتُجزت في زامبيا، قبل الإفراج عنه خلال أقل من يومين بعد تدخل النقابة، دون أن يرافق ذلك الاعتقال وقتها اتهام مماثل بالانتماء لجماعة محظورة.

نمط متكرر: "الإخوان" كتفسير جاهز لأي رواية مزعجة

اللافت في بيان الداخلية بشأن "متصدقش". هو تطابقه شبه الحرفي مع صياغة استخدمتها الوزارة قبل أيام فقط في واقعة منفصلة تماماً. فحين تحدث مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن احتجاجات واحتمال محاولة انتحار داخل أحد مراكز الإصلاح والتأهيل بالمنيا. نفت الداخلية الواقعة بالكامل، واتهمت "صفحات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين في الخارج". بالوقوف وراء "حملة ممنهجة وأكاذيب زائفة ومتكررة" تهدف لـ"الحصول على مزايا لبعض عناصر الجماعة" خارج الأطر القانونية. وهي العبارات نفسها تقريباً -"مخططات الإخوان"، "النيل من الاستقرار"، "أكاذيب وشائعات"- التي تكررت في بيان "متصدقش".

هل هذا يعني بالضرورة أن الاتهام كاذب؟

من الناحية المهنية، لا يمكن الجزم بشكل قاطع بصحة أو زيف ادعاء الداخلية تحديداً بشأن صلة مدير المنصة المزعوم. عبد الرحمن شكري، بجماعة الإخوان المسلمين. إذ لا تتوفر حتى الآن أدلة مستقلة منشورة تؤكد أو تنفي هذا الادعاء بعيداً عن رواية الوزارة نفسها.

لكن ما يمكن ملاحظته بثقة أكبر هو أمران. الأول أن الوصف الرسمي يتناقض بشكل مباشر مع الهوية التأسيسية المعلنة للمنصة منذ 2018 كمبادرة صحفية مستقلة غير حزبية. والثاني أن استخدام نفس القالب الاتهامي بالضبط في وقائع متعددة ومنفصلة خلال فترة قصيرة يثير تساؤلات مشروعة. حول ما إذا كان هذا التوصيف يصف واقعاً فعلياً دقيقاً في كل مرة. أم أنه بات نمطاً خطابياً معتاداً تلجأ إليه الجهات الأمنية لتأطير أي انتقاد أو كشف إعلامي مزعج ضمن سردية "المؤامرة الخارجية". بدلاً من الرد المباشر على مضمون ما يُنشر.

اقرأ أيضا

«متصدقش» تحت الحصار.. اعتقال 6 صحفيين يكشف أكذوبة الانفتاح الإعلامى

Exit mobile version