من "ظهر" إلى "تمساح".. شركتان إماراتيتان تتنافسان على أصول "بي بي" في مصر

دخلت شركتان إماراتيتان في منافسة على شراء أصول شركة "بي بي" البريطانية في مصر نهاية الأسبوع الماضي، بعد إطالة أمد المفاوضات الجارية مع شركة "إنرجيان" البريطانية المتهمة بتركز نشاطها في إسرائيل، بحسب مصدر مطلع على الصفقة بوزارة البترول.

تفاصيل الصفقة المتنازع عليها

أوضح المصدر أن الشركتين الإماراتيتين دخلتا في جولة مباحثات مع "بي بي" تناولت التزام المستثمر الجديد بخطط الإنتاج المستهدفة في مناطق الامتياز المشمولة بالصفقة، بعدما كانت "إنرجيان" -المدرجة في بورصتي لندن وتل أبيب منذ 2018- قد قطعت شوطاً كبيراً في المفاوضات دون التوصل لاتفاق نهائي.

وتشمل الأصول المطروحة مناطق إنتاج غاز ضمن امتياز "تمساح" بالبحر المتوسط، إلى جانب حصص "بي بي" في مشروعات غرب دلتا النيل ضمن امتيازي شمال الإسكندرية وغرب البحر المتوسط للمياه العميقة.

وبينما قُدرت قيمة الصفقة إعلامياً بنحو مليار دولار، كشف المصدر أن "بي بي" قد ترفع القيمة إلى أكثر من 1.2 مليار دولار، مع احتفاظها بحصتها البالغة 10% في حقل "ظهر"، أكبر حقول الغاز في البحر المتوسط.

نمط متكرر: الإمارات "تلتقط" كل فرصة تخارج أجنبية

لا تمثل هذه المنافسة واقعة معزولة، بل تندرج ضمن سلسلة متسارعة من عمليات استحواذ إماراتية على أصول طاقة مصرية كانت أصلاً في حوزة شركات أجنبية أخرى قررت التخارج أو إعادة هيكلة محافظها.

ففي الأسبوع الذي سبق هذه المنافسة مباشرة، استحوذت شركة "أركيوس إنرجي" الإماراتية، التي لم يتجاوز عمرها عامين فقط منذ تأسيسها نهاية 2024، على 5 امتيازات بحرية للغاز الطبيعي من حصص أعمال "بي بي" نفسها في البحر المتوسط، مع تفاوض جارٍ بين الشركتين على بيع امتياز "شمال الإسكندرية" أيضاً.

وفي الشهر ذاته تقريباً، أبرمت شركة "ألكازار إنرجي" الإماراتية صفقة بقيمة 420 مليون دولار للاستحواذ لمدة 25 عاماً على حق تشغيل وإدارة وتطوير محطة "رياح جبل الزيت"، أكبر محطات طاقة الرياح في أفريقيا بطاقة 580 ميجاوات.

وقبل ذلك، في نوفمبر 2025، استحوذت "أركيوس" على كامل حقوق الإنتاج والاستغلال في حقل "هارماتان" للغاز والمكثفات بمنطقة امتياز "البرج" البحرية.

هذا التسارع في وتيرة الصفقات دفع تقارير اقتصادية متخصصة لوصفه بـ"هجمة إماراتية جديدة على الأصول المصرية"، في ظل ملاحظة أن الشركات الإماراتية التي تدخل هذه الصفقات غالباً ما تكون حديثة التأسيس نسبياً (كشركة أركيوس التي لم يتجاوز عمرها عامين) أو مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بحكومة أبوظبي وصناديقها السيادية، ما يجعل نمط الاستحواذ أقرب لإستراتيجية ممنهجة لالتقاط كل فرصة تخارج تتيحها الشركات الأجنبية الكبرى من السوق المصرية، أكثر من كونه تحركات استثمارية فردية ومتفرقة لشركات خاصة مستقلة.

لماذا تتخارج "بي بي" أصلاً؟

يعود سبب طرح "بي بي" لأصولها، بحسب مصدر حكومي مطلع، إلى أن الشركة البريطانية -ثالث أكبر شركة نفط وغاز في مصر من حيث مساحة الامتيازات بعد "إيني" الإيطالية و"أباتشي" الأمريكية- تعيد ترتيب محفظة استثماراتها على مستوى العالم وليس في مصر فقط، تحت قيادة رئيستها التنفيذية الجديدة ميغ أونيل، وقد أبلغت الحكومة المصرية "منذ مدة" برغبتها في تصفية جزء من أصولها.

ويبلغ إجمالي إنتاج "بي بي" الحالي في مصر بين 1.1 و1.3 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً. فيما تنتج الأصول المطروحة للبيع تحديداً نحو 600 مليون قدم مكعبة يومياً. أي ما يعادل قرابة 16% من متوسط إنتاج الغاز الطبيعي المحلي الإجمالي البالغ نحو 3.8 مليار قدم مكعبة يومياً. وهي نسبة لافتة تجعل مصير هذه الحصة التحديدي مسألة ذات أبعاد إستراتيجية تتجاوز مجرد صفقة تجارية عادية بين شركتين.

أرقام تكشف حجم التوغل الإماراتي الأوسع

لا يقتصر هذا النمط على قطاع الطاقة وحده، إذ تشير تقارير اقتصادية. إلى أن الإمارات واصلت خلال السنوات الأخيرة شراء أصول مصرية حساسة. تمتد إلى البنوك والموانئ والأراضي والأمن الغذائي والزراعة والخدمات المالية والمستشفيات والأدوية ومعامل التحاليل. في ظل تقديرات تشير إلى أن صافي الاستثمارات الإماراتية المباشرة. في مصر تجاوز 45.8 مليار دولار خلال آخر 4 سنوات مالية فقط.

ويلاحظ محللون أن نسبة مهمة من هذه الصفقات يذهب نصيبها لمستثمرين إماراتيين تابعين لحكومة أبوظبي وصناديقها السيادية مباشرة. أو لشركات محسوبة عليها، وهو ما يميز هذا النمط عن مجرد تدفقات استثمارية أجنبية متنوعة المصادر.

انتقادات: "لا نرفض الاستثمار لكن..."

لم يمر هذا التوسع الإماراتي المتسارع دون انتقادات من نخب مصرية. إذ طالب مراقبون اقتصاديون بكشف كامل لتفاصيل هذه الصفقات من حيث التقييم والعقود والالتزامات والعائد الحقيقي للدولة المصرية. وهيكل الشركات المشترية، وضمانات الحفاظ على الأمن الطاقي الوطني. مع التأكيد على أن "لا نرفض الاستثمار لكن نرفض بيع أصول إستراتيجية منتجة بأثمان تثير علامات استفهام".

ويرى هؤلاء المنتقدون أن الطاقة المتجددة والموارد الطبيعية ينبغي أن تُدار كملف "مستقبل" إستراتيجي للدولة. لا كأصل يُتصرف فيه كحل سريع لأزمات تمويلية آنية.

في المقابل، تنظر الحكومة المصرية لهذا التوسع الإماراتي من زاوية مختلفة تماماً. معتبرة أن استحواذ أبوظبي وشركاتها على مزيد من الأصول المصرية يمثل "تعزيزاً للاستثمارات الإماراتية القائمة" أصلاً في مختلف الأنشطة. وتجسيداً لدعم حليف سياسي خليجي مهم للاقتصاد المصري في مرحلة حساسة. خصوصاً مع استمرار حاجة مصر الماسة للعملة الصعبة لسد فجوات تمويلية وتخفيف أعباء الديون الخارجية المتصاعدة.

اقرأ أيضا

"بي بي" تبيع أصول الغاز فيما مصر تعود للاستيراد.. هل تتسع فجوة الطاقة؟

Exit mobile version