أصدر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بياناً يحذر فيه من مظاهر الهزل والمزاح غير اللائق أثناء إبرام عقود الزواج، مؤكداً أن هذا السلوك "استخفاف مرفوض لا يليق بقدسية" العقد، في تحذير جاء عقب تداول واسع لفيديو يظهر عريساً وهو يتبادل النكات والمزاح مع المأذون أثناء إجراءات عقد قرانه.
الواقعة التي أشعلت الجدل
انطلقت موجة الجدل بعدما تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لحفل عقد قران في مصر، دار خلاله حوار بين المأذون والعريس حول موضوع "الرزق والزواج"، لينتهي الحوار برد "جريء" من العريس أثار ضحك الحاضرين في قاعة العقد.
وسرعان ما انتشر المقطع بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن ينتقل النقاش حوله إلى برامج "التوك شو" التلفزيونية، ليتحول من مجرد مقطع عابر إلى قضية رأي عام استدعت تدخل مؤسسة دينية رسمية..
"ميثاق غليظ" لا مجال للهزل فيه
استند بيان مركز الأزهر للفتوى إلى وصف القرآن الكريم لعقد الزواج بـ"الميثاق الغليظ" في قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}، موضحاً أن إبرام هذا العقد يقتضي "التوقير والجدية وحسن الأدب"، ولا يليق أن يتحول مجلس عقد القران إلى "ميدان للهزل والسخرية"، أو أن تتخلل صيغة الإيجاب والقبول -وهي الصيغة التي ينعقد بها الزواج شرعاً وتترتب عليها آثاره- ألفاظ أو تعليقات لا تتناسب مع مقام العقد.
واستشهد المركز بحديث نبوي رواه أبو داود والترمذي يحذر تحديداً من خطورة إقحام الهزل في العقود ذات الأثر الشرعي المؤثر: "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة"، أي أن هذه الأمور الثلاثة تقع وتترتب عليها آثارها الشرعية الكاملة سواء قصدها قائلها بجدية أو بالهزل، ما يجعل التهاون بألفاظها أمراً بالغ الخطورة من الناحية الفقهية، وليس مجرد مسألة ذوق أو أدب اجتماعي فحسب.
تحذير خاص لمن "يظهر بزي العلماء"
وجّه بيان الأزهر لوماً خاصاً لفئة بعينها، معتبراً أنه "لا يليق بمن ينتسب إلى العلم الشرعي، أو يتصدر للحديث باسم الدين، أو يظهر بزي العلماء" -في إشارة ضمنية إلى المأذونين الشرعيين الذين يظهرون عادة بزي ديني معين أثناء إتمام عقود الزواج- أن يجعل من مجلس العقد "استعراضاً هزلياً"، مؤكداً أن "للدين جلاله، وللعالِم مهابته، ولمجلس العقد حرمته، ولعقد الزواج قدسيته".
الفرح مشروع.. لكن بضوابط
حرص بيان الأزهر على التوضيح بأن الإسلام لا يمنع إظهار الفرح بالزواج، مستشهداً بحديث نبوي يصف الدف والصوت (أي مظاهر الاحتفال) بأنها "فصل ما بين الحرام والحلال"، أي علامة مميزة للزواج المعلن عن غيره من العلاقات غير المشروعة.
لكن المركز فرّق بوضوح بين مظاهر الفرح المشروعة من جهة، وبين إقحام الهزل والمزاح في صيغة الإيجاب والقبول تحديداً من جهة أخرى. محذراً بشكل خاص من الحالات التي يكون فيها الهزل "بقصد إضحاك الحاضرين. أو صناعة مشهد مفتعل يجذب المشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي". في إشارة مباشرة للظاهرة المتنامية لتوثيق تفاصيل حفلات الزواج ونشرها بشكل متعمد لجذب تفاعل أكبر على هذه المنصات.
دعوة ختامية: تعظيم الميثاق لا الاستخفاف به
ختم مركز الأزهر العالمي للفتوى بيانه بدعوة المقبلين على الزواج وذويهم إلى "تعظيم هذا الميثاق". والالتزام بآداب عقد القران، وإظهار الفرح المشروع "دون تجاوز أو إسفاف". مع الحفاظ على وقار مجلس العقد وحرمته، مستشهداً بقوله تعالى: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}.
ردود فعل: احترام واسع لموقف الأزهر
تعامل كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع بيان الأزهر بجدية واضحة. إذ عبّر عدد منهم عن احترامهم لموقف المركز، مؤكدين أن "للمجلس كل الاحترام" وأن "كلامه له هيبته واحترامه". في مؤشر على تفاعل إيجابي نسبي مع الرسالة التي حملها البيان. رغم أن الجدل الأساسي الذي أشعله الفيديو الأصلي كان قد انقسم في البداية بين من استساغ خفة الظل. في الموقف ومن رأى فيه تجاوزاً لحرمة المناسبة.
