تراجع واردات القمح 65%.. هل يهدد ذلك أهم مصدر غذائي للمصريين؟
كشف تقرير رسمي عن تراجع واردات مصر من القمح بنحو 65% خلال الربع الثالث من 2026 لتصل إلى 1.3 مليون طن فقط، وسط اضطرابات متصاعدة في منطقة البحر الأسود، وبعدما عززت الحكومة مشترياتها في النصف الأول من العام تحسباً لتصاعد التوترات الجيوسياسية.
ولم تستورد الحكومة، ممثلة في الهيئة العامة للسلع التموينية وجهاز "مستقبل مصر"، أي شحنات قمح منذ مايو الماضي وحتى الآن، وقد يستمر توقف مشترياتها حتى نوفمبر المقبل، بحسب مسؤول حكومي تحدث لمنصة "بلومبرج" الاقتصادية.
لماذا تراجعت الواردات؟ ليس بالضرورة نقصاً في المعروض
يرتبط هذا التراجع الحاد، بحسب التقرير، بعاملين متزامنين وليس بالضرورة بوجود أزمة نقص فعلية: الأول هو ارتفاع المخزونات المحلية نتيجة تعزيز الحكومة مشترياتها الاستباقية في النصف الأول من العام، والثاني هو اضطرابات البحر الأسود وارتفاع تكاليف الشحن التي جعلت استيراد شحنات جديدة أكثر كلفة في المرحلة الحالية.
وتعكس بيانات الموانئ حجم هذا التراجع بوضوح: ففي النصف الأول من سبتمبر وحده، وصلت إلى الموانئ المصرية نحو 143.9 ألف طن من القمح فقط، مقابل 876.1 ألف طن في الفترة ذاتها من العام الماضي، أي بتراجع يتجاوز 83% في هذه الفترة تحديداً.
إنتاج محلي قياسي.. لكن الفجوة لا تزال واسعة
في المقابل، سجلت مصر نجاحاً ملحوظاً على صعيد الإنتاج المحلي، إذ جمعت الحكومة نحو 4.9 مليون طن من القمح من المزارعين خلال موسم التوريد 2026، مقتربة من هدفها المعلن بـ5 ملايين طن، بزيادة 25% عن العام الماضي (4 ملايين طن)، في وقت تشير فيه بيانات مجلس الوزراء إلى بلوغ إجمالي الإنتاج المحلي نحو 10 ملايين طن هذا الموسم، بارتفاع نحو 8.6% عن الموسم السابق.
ويعود هذا التحسن جزئياً إلى رفع الحكومة سعر توريد القمح المحلي إلى نطاق يتراوح بين 16 و16.67 ألف جنيه للطن حسب الجودة، وهو ما حفّز المزارعين على التوسع في زراعة المحصول، إلى جانب مشروعات توسعية كمشروع الدلتا الجديدة الذي يستهدف مسؤولون رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح إلى 70% مستقبلاً.
ورغم هذا التحسن اللافت في الإنتاج المحلي، تبقى الفجوة الغذائية واسعة للغاية: فبينما يقدَّر إجمالي استهلاك مصر من القمح خلال الموسم الحالي بنحو 20.7 مليون طن، فإن الإنتاج المحلي (10 ملايين طن) لا يغطي سوى ما يقارب نصف هذا الاستهلاك فقط، ما يعني حاجة مصر لاستيراد نحو 13.5 مليون طن خلال موسم 2026-2027 لسد الفجوة المتبقية، بحسب تقديرات منظمة الفاو ووزارة الزراعة الأمريكية.
وتبقى مصر، رغم كل هذه الجهود، واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم، في بلد تحوّل تاريخياً من أحد أبرز مراكز إنتاج الحبوب عالمياً إلى أكبر مستورد لها حالياً.
لماذا القمح تحديداً بهذه الأهمية الحرجة لمصر؟
يمثل القمح "العمود الفقري" للأمن الغذائي المصري. نظراً للاعتماد الواسع لملايين المصريين على الخبز كسلعة أساسية يومية لا بديل عنها عملياً بالنسبة لشرائح واسعة من السكان. خصوصاً محدودي الدخل الذين يعتمدون على منظومة الخبز المدعم.
وهذا ما يجعل أي اضطراب في سلاسل إمداد القمح، مهما بدا تقنياً أو إحصائياً من زاوية التجارة الخارجية. قضية تمس الاستقرار الاجتماعي المباشر في بلد يُعد أكبر دولة عربية سكاناً، وليس مجرد رقم في ميزان المدفوعات.
مخاطر استمرار اضطرابات البحر الأسود
لا تزال منطقة البحر الأسود تمثل الشريان الرئيسي لإمدادات القمح لمصر. إذ جاءت غالبية الشحنات التي وصلت للموانئ المصرية مؤخراً من رومانيا وروسيا وأوكرانيا تحديداً.
وقد دفعت الاضطرابات المستمرة في هذا الممر الحيوي، والتي ترتبط بالحرب الروسية الأوكرانية المستمرة وتوترات إقليمية موازي. أسعار القمح العالمية للقفز بنسب تراوحت بين 25% و40% خلال عام 2026 وحده، بحسب تقديرات مختلفة.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذه الاضطرابات لفترة طويلة قد يرفع بشكل متواصل تكلفة تأمين الاحتياجات المستوردة لمصر تحديداً. نظراً لاعتمادها الكبير تاريخياً على هذه المنطقة بالذات. ما يجعلها أكثر الدول العربية تأثراً بأي تصعيد جديد في هذا الممر البحري.
في مواجهة هذه المخاطر، كشف وزير التموين المصري عن توجه نحو تنويع مصادر شراء القمح. بما يشمل فرنسا وموردين أوروبيين آخرين، في محاولة لتقليل الاعتماد شبه الكلي على منطقة البحر الأسود وحدها. وهي استراتيجية تنسجم مع خطة أوسع لرفع سعة الصوامع التخزينية المصرية إلى 6 ملايين طن بحلول عام 2030. بما يمنح البلاد هامش أمان زمني أكبر عند حدوث أي صدمة مفاجئة في سلاسل الإمداد العالمية.هل مخزون مصر الحالي مطمئن؟


