في الوقت الذي ينص فيه الدستور المصري على أن مدة الرئاسة الحالية لعبد الفتاح السيسي هي الأخيرة، أطلق موقع إلكتروني جديد حملة توقيعات تطالب باستمراره في الحكم حتى عام 2050، بما يعني عمليًا الدفع نحو تعديل دستوري جديد يتجاوز القيود الحالية على مدد الرئاسة.
وتأتي حملة «السيسي حتى 2050» بعد سلسلة من حملات التوقيعات التي سبقتها منذ وصول السيسي إلى السلطة، بينها «كمّل جميلك» التي طالبت بترشحه للرئاسة، و«علشان تبنيها» التي دعمت ترشحه لفترة رئاسية ثانية.
لكن الحملة الجديدة تختلف عن سابقاتها في نقطة أساسية: فهي لا تطالب بترشح السيسي لولاية جديدة في إطار القواعد الدستورية القائمة، وإنما تدعو إلى بقائه في السلطة حتى 2050، أي بعد انتهاء ولايته الحالية بسنوات طويلة.
ماذا يقول الدستور؟
تنص المادة 140 من الدستور المصري المعدل عام 2019 على أن رئيس الجمهورية يُنتخب لمدة ست سنوات، وأنه لا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين.
وبموجب التعديلات الدستورية التي أُقرت في 2019، مُدت الولاية الرئاسية إلى ست سنوات، مع ترتيب استثنائي مكّن السيسي من الترشح لفترة ثالثة تنتهي في 2030.
وبالتالي، فإن الانتقال من الوضع الدستوري الحالي إلى استمرار الحكم حتى 2050 لا يمكن تحقيقه بمجرد إصدار قانون عادي أو «قانون استثنائي» كما تقترح رسالة الحملة، وإنما يتطلب تعديلًا دستوريًا يغيّر القواعد المنظمة لمدة الرئاسة وعدد الولايات.
وتنص المادة 226 من الدستور كذلك على إجراءات خاصة لتعديل الدستور، من بينها موافقة مجلس النواب ثم طرح التعديل على الاستفتاء الشعبي، فضلًا عن قيود موضوعية على بعض المبادئ الدستورية.
«قانون استثنائي» بدلًا من تعديل الدستور
يقول القائمون على الموقع إنهم مبادرة مدنية مستقلة لا تتبع أي جهة حكومية، وإن هدفها جمع التأييدات وتقديمها إلى مجلسي النواب والشيوخ.
لكن خطاب الحملة نفسه يكشف ارتباكًا في تصور الآلية الدستورية؛ إذ يتحدث عن مطالبة «مجلسي الشعب والشورى» بإصدار قانون استثنائي لاستمرار السيسي في الحكم، رغم أن هذين الاسمين لا يمثلان التسمية الحالية لغرفتي البرلمان المصري.
كما أن البرلمان الحالي يتكون من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، بينما لا يستطيع أي منهما، بموجب قانون عادي، إلغاء القيد الدستوري المتعلق بمدد الرئاسة.
وبذلك تتحول المسألة من مجرد حملة توقيعات إلى دعوة ضمنية لإعادة فتح ملف القواعد الدستورية. التي حددت شكل انتقال السلطة في مصر.
29 ألف توقيع.. ولكن ماذا تثبت الأرقام؟
يقول الموقع إن عداد الحملة سجل نحو 29 ألف مؤيد خلال الأسابيع الأولى من إطلاقه. كما يعرض بيانات عن أعمار المشاركين ومحافظاتهم وانتماءاتهم الحزبية.
لكن الأرقام لا تكفي وحدها لإثبات حجم التأييد الشعبي للحملة.
فالموقع نفسه يقر بأن آلية التسجيل لا تضمن التأكد الكامل من أن كل تسجيل يمثل شخصًا فريدًا. رغم استخدام البريد الإلكتروني ورقم الهاتف للحد من التسجيل المتكرر.
وتبدو المشكلة أكثر وضوحًا في البيانات الحزبية. إذ يستطيع المستخدم اختيار أو كتابة اسم حزب دون تقديم بطاقة عضوية أو مستند يثبت انتماءه إليه.
وبالتالي، لا يمكن التعامل مع أرقام الانتماء الحزبي المعروضة باعتبارها إحصاءً مستقلًا عن أعضاء الأحزاب. وإنما باعتبارها بيانات أدخلها مستخدمو الموقع بأنفسهم.
من «كمّل جميلك» إلى «السيسي حتى 2050»
الحملات المؤيدة للسيسي لم تبدأ مع موقع 2050.
ففي سبتمبر 2013 ظهرت حملة «كمّل جميلك» مطالبة السيسي بالترشح للرئاسة. وأعلنت وقتها أنها تستهدف جمع ملايين التوقيعات للضغط عليه من أجل خوض الانتخابات.
وبعد وصوله إلى الرئاسة، ظهرت حملة «علشان تبنيها» في 2017 مطالبة بترشحه لفترة ثانية. وأعلنت عن جمع توقيعات لدعم استمرار السيسي في الرئاسة.
لكن حملة 2050 تنقل هذا النمط إلى مستوى مختلف؛ فهي لا تتعامل مع استحقاق انتخابي قريب. وإنما تطرح استمرار الرئيس في السلطة حتى منتصف القرن تقريبًا.
وهنا تصبح المسألة مرتبطة مباشرة بشكل النظام الدستوري نفسه، وليس فقط بترشح شخص في انتخابات محددة.
