تعهد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي بأن تنصت الحكومة إلى شواغل المواطنين وترد على الانتقادات، مؤكدًا خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة أن «المكاشفة والمصارحة» ستكونان أساس مناقشة القضايا التي تمس حياة المصريين، في تصريحات تفتح باب التساؤل عن مدى استعداد السلطة للاستماع الفعلي إلى الأصوات المنتقدة، في ظل اعتقال جميع أعضاء فريق تحرير منصة «متصدقش» المتخصصة في تدقيق المعلومات والصحافة الاستقصائية.
وقال مدبولي، خلال الاجتماع الذي عقد بمقر الحكومة في العاصمة الجديدة، إن «منتدى مصر 2026»، المقرر تنظيمه من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري، سيشهد مناقشة ملفات وقضايا حياتية، والاستماع إلى شواغل الرأي العام، وطرح التحديات التي واجهت الدولة، إلى جانب الخطط والبرامج التنفيذية المقترحة للمرحلة المقبلة.
وشدد رئيس الوزراء على أهمية رد الوزراء على تساؤلات المواطنين وانتقاداتهم، والاستماع إلى الآراء والمقترحات، مضيفًا أن الحكومة ترحب بكل رأي يدعم مسيرة الوطن ويحسن حياة المواطنين.
لكن هذه التعهدات تضع الحكومة أمام اختبار يتجاوز تنظيم جلسات للنقاش أو إتاحة المجال لطرح الأسئلة؛ إذ يتعلق الأمر بمدى تقبل النقد المستقل، خصوصًا عندما يكشف تناقضات في البيانات الرسمية أو يشكك في الرواية التي تقدمها المؤسسات الحكومية.
«متصدقش».. اختبار لحدود النقد المسموح به
تأتي تصريحات مدبولي بينما تواجه منصة «متصدقش» واحدة من أبرز قضايا استهداف الصحافة المستقلة في مصر خلال الفترة الأخيرة، بعدما ألقت قوات الأمن القبض على الصحفيين الستة الذين يشكلون كامل فريق تحريرها، خلال يومي 28 و29 سبتمبر الماضي.
وقالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي يتولى محاموها تمثيل الصحفيين، إن الحملة الأمنية شملت جميع أعضاء الفريق.
وذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن السلطات اعتقلت الصحفيين، وطالبت بالكشف عن أماكن احتجازهم وضمان حقهم في التواصل مع أسرهم ومحاميهم.
وتقول السلطات المصرية، وفقًا للتغطيات المنشورة، إن الصحفيين متهمون بنشر أخبار كاذبة والارتباط بجماعة الإخوان المسلمين وتلقي تمويل خارجي، بينما تنفي المنصة هذه الاتهامات، وتعتبر جهات حقوقية أن استهداف فريقها بالكامل يمثل تصعيدًا ضد الصحافة المستقلة.
وتظل هذه الاتهامات محل إجراءات قانونية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها إدانة نهائية.
وتكمن أهمية القضية في طبيعة عمل المنصة، التي تأسست عام 2018 وركزت على تدقيق المعلومات والتحقيقات الصحفية.
فالتدقيق في الأرقام والتصريحات الرسمية، ومقارنتها بالمصادر والوثائق المتاحة، يمثل جزءًا أساسيًا من الوظيفة الصحفية، ولا ينبغي أن يصبح في حد ذاته سببًا للملاحقة؛ بل يفترض أن يكون الرد على الأخطاء المزعومة بتقديم الأدلة والتصحيحات، مع الاحتكام إلى القانون في حال وقوع مخالفة مثبتة.
ومن هنا، لا يتعلق السؤال بمجرد إعلان الحكومة ترحيبها بالنقد، وإنما بمدى قدرتها على توفير بيئة تسمح للصحفيين بمراجعة تصريحات المسؤولين وكشف التناقضات المحتملة فيها، دون أن يواجهوا خطر الاحتجاز بسبب عملهم المهني.
الإنصات في جلسات المنتدى أم إتاحة المجال للنقد خارجها؟
يراهن خطاب الحكومة على «منتدى مصر 2026» بوصفه مساحة لمناقشة القضايا الحياتية والاستماع إلى الرأي العام. لكن فاعلية هذه المساحة ستتوقف على ما إذا كانت ستسمح بطرح الأسئلة الصعبة. وليس فقط الأسئلة التي تختارها الجهات المنظمة أو الموضوعات التي يمكن مناقشتها ضمن الحدود الرسمية.
فالإنصات الحقيقي لا يقتصر على استقبال شكاوى المواطنين بشأن الأسعار أو الخدمات أو فرص العمل. بل يشمل أيضًا حقهم في معرفة كيفية اتخاذ القرارات، ومساءلة المسؤولين عن نتائج السياسات العامة. ومناقشة الأرقام التي تستخدمها الحكومة لتقييم أدائها.
ويزداد هذا الاختبار أهمية في ظل ما وثقته منظمات حقوقية وتقارير صحفية بشأن القيود المفروضة على الإعلام المستقل في مصر.
وقد أشارت منظمة «فريدوم هاوس» في تقريرها عن الحريات في مصر لعام 2025. إلى هيمنة وسائل مؤيدة للحكومة على المشهد الإعلامي، وإلى تعرض الصحافة المستقلة لقيود قانونية وضغوط.
ولا يعني ذلك أن كل ما تطرحه الحكومة في المنتدى سيكون بلا قيمة. أو أن جلسات النقاش لا يمكن أن تنتج حلولًا عملية. لكن الحكم على جدية التعهدات يتطلب متابعة ما ستسفر عنه من قرارات، ومدى نشر نتائج المناقشات. وإمكانية مساءلة المسؤولين عن تنفيذ التوصيات، إلى جانب ضمان حرية الصحفيين والمواطنين في نقد تلك النتائج.
