من صندوق النقد إلى البنك الدولي.. لماذا لا تنتهي أزمة الديون في مصر؟

تراهن الحكومة على توسيع تعاونها مع البنك الدولي لتوفير التمويل اللازم لدعم الاقتصاد ومواصلة تنفيذ برنامج الإصلاح، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا مالية واحتياجات متزايدة إلى النقد الأجنبي، بينما تقترب نهاية برنامج صندوق النقد الدولي في ديسمبر المقبل.

ويعيد التحرك المصري في اجتماعات الخريف ببانكوك طرح سؤال جوهري: هل تنجح الحكومة في استخدام التمويلات الدولية لإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، أم تستمر في الاعتماد على الاقتراض لتخفيف آثار أزمة ساهمت السياسات الاقتصادية المتبعة في تفاقمها؟

وخلال مشاركته في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين، الثلاثاء، بحث وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا سبل تعزيز التعاون ودعم أولويات مصر التنموية، بما يشمل مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية، وتعزيز الاستقرار المالي، وضمان استدامة توفير الطاقة والسلع الأساسية.

كما التقى عبد العاطي كبير الاقتصاديين ونائب الرئيس الأول لاقتصاديات التنمية بالبنك الدولي مايكل كريمر، بحضور وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم، وأكد تطلع الحكومة إلى استكمال المرحلة الثالثة والأخيرة من برنامج تمويل سياسات التنمية، إلى جانب إعداد برنامج وطني للتحول الاقتصادي يستهدف زيادة الصادرات وفرص العمل وتعزيز دور القطاع الخاص.

وتكشف هذه التحركات عن أهمية التمويل الدولي في حسابات الحكومة المصرية، لكنها تفتح أيضًا باب التساؤل حول مدى قدرة القروض الجديدة على معالجة الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها البلاد، بدلًا من توفير سيولة مؤقتة تخفف الضغوط دون تغيير أسبابها الأساسية.

مليار دولار جديدة

في مايو 2026، وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري، ضمن برنامج يستهدف تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، وتحفيز الاستثمار الخاص، وخلق فرص العمل، وتحسين الاستدامة المالية والتحول إلى الاقتصاد الأخضر.

ويعد هذا التمويل المرحلة الثانية ضمن سلسلة من ثلاث عمليات لتمويل سياسات التنمية، بعد مرحلة سابقة، مع توقع استكمال المرحلة الثالثة لاحقًا.

ولا تمثل هذه الأموال منحة مجانية؛ إذ يأتي التمويل ضمن أدوات إقراض تنموي بشروط أكثر تيسيرًا من التمويل التجاري، ويشمل ضمانًا ائتمانيًا بقيمة 200 مليون دولار من المملكة المتحدة.

ويرتبط البرنامج بإصلاحات تستهدف تحسين إدارة الشركات المملوكة للدولة، وتعزيز المنافسة، وزيادة الإيرادات المحلية، وتحسين كفاءة أسواق الدين، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص.

وتضع هذه الشروط الحكومة أمام اختبار يتجاوز الحصول على التمويل؛ فنجاح البرنامج يتوقف على تنفيذ الإصلاحات المعلنة ومدى انعكاسها على الاستثمار والإنتاج والتوظيف.

كما أن التمويل الموجه لدعم السياسات الاقتصادية لا يعني بالضرورة ضخ المبلغ كاملًا في مشروعات إنتاجية جديدة، إذ يرتبط بطبيعة البرنامج والإجراءات التي يدعمها.

الاقتراض لمواجهة الأزمة

لا يمكن فصل التحرك المصري نحو البنك الدولي عن الضغوط التي واجهها الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة. من ارتفاع تكلفة الواردات والطاقة. وتراجع قيمة العملة، وزيادة أعباء خدمة الدين، إلى تأثر تدفقات الاستثمار الأجنبي بالأزمات الإقليمية والدولية.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن برنامج التمويل الممتد لمصر. الذي أُقر في ديسمبر 2022، مُدد حتى 15 ديسمبر 2026.

وفي فبراير الماضي، وافق الصندوق على استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة. بما أتاح تمويلًا إضافيًا بنحو ملياري دولار ضمن البرنامج، فضلًا عن نحو 273 مليون دولار في إطار تسهيل الاستدامة والمرونة.

ومع اقتراب نهاية البرنامج، تعمل الحكومة على إعداد برنامج اقتصادي وطني للمرحلة التالية، فيما تتطلع إلى استكمال تمويل البنك الدولي.

ويعني ذلك أن التمويل الخارجي سيظل أحد الأدوات المهمة في إدارة المرحلة المقبلة. وإن كان لا يمكن الجزم بأن الحكومة تعتمد عليه وحده؛ فالموارد العامة والإيرادات الضريبية والصادرات والاستثمار وتحويلات العاملين بالخارج. وغيرها تظل عناصر أساسية في المعادلة الاقتصادية.

لكن استمرار الحاجة إلى التمويل الدولي يطرح تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة. تكفي لتغطية احتياجاته الخارجية وخدمة ديونه. دون الاضطرار بصورة متكررة إلى الاقتراض أو الاعتماد على تدفقات استثنائية من الخارج.

سياسات النظام تحت الاختبار.. هل يكفي التمويل لتغيير المسار؟

لا ترجع الأزمة الاقتصادية المصرية إلى عامل واحد؛ فقد أسهمت الصدمات العالمية والاضطرابات الإقليمية وارتفاع تكاليف التمويل في زيادة الضغوط. لكن خيارات السياسة الاقتصادية المحلية تظل جزءًا أساسيًا من النقاش حول أسباب الأزمة وحدود التعافي.

ومن بين هذه الخيارات، التوسع في مشروعات كثيفة التمويل، واتساع دور الدولة والشركات المملوكة لها في النشاط الاقتصادي. وتحديات جذب استثمارات خاصة قادرة على المنافسة، إلى جانب الاعتماد على الاقتراض لتغطية الاحتياجات التمويلية.

وقد جعلت هذه الملفات مسألة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتحسين العائد الاقتصادي للمشروعات. وتوسيع القاعدة الإنتاجية، محاور رئيسية في تقييم مسار الإصلاح.

ويؤكد البنك الدولي نفسه أن التمويل الجديد يستهدف تحسين إدارة الشركات المملوكة للدولة، وتقليل الحواجز أمام الاستثمار الخاص. وتعزيز المنافسة، وتطوير إدارة المالية العامة.

اقرأ أيضا

Exit mobile version