من نفاد الاحتياطي إلى انهيار الاقتصاد.. كيف تناقض الأرقام الرسمية رواية السيسي؟

أعادت تصريحات عبد الفتاح السيسي بشأن الأوضاع الاقتصادية قبل توليه الحكم عام 2014 الجدل حول الرواية الرسمية لأحداث تلك المرحلة، بعدما نشرت منصات للتحقق من المعلومات ومصادر مفتوحة بيانات وأرقامًا تتعارض مع عدد من التصريحات التي أدلى بها خلال كلمته في الندوة التثقيفية الـ44 بعنوان «وطن الأبطال»، بمناسبة الذكرى الـ53 لانتصارات أكتوبر.

وتناولت عمليات التحقق تصريحات السيسي بشأن الاحتياطي النقدي الأجنبي، وموازنة الأجور خلال حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، ومعدلات النمو الاقتصادي، إلى جانب حديثه عن انهيار الأوضاع الاقتصادية قبل وصوله إلى السلطة.

كما أعادت هذه الأرقام التذكير بوعود انتخابية أطلقها السيسي عام 2014 بشأن تحسين حياة المواطنين خلال فترة زمنية محددة.

وتكمن أهمية هذه المقارنة في أن الأرقام الواردة في عمليات التحقق تستند إلى بيانات رسمية، من بينها بيانات البنك المركزي المصري والموازنة العامة للدولة والبنك الدولي، بما يتيح اختبار التصريحات السياسية على ضوء المؤشرات المنشورة، بدلًا من الاكتفاء بالروايات التي تقدمها السلطة عن الماضي.

الاحتياطي النقدي لم ينفد

في حديثه عن الأوضاع التي سبقت توليه الحكم، استحضر السيسي صورة لأزمة اقتصادية حادة، تضمنت حديثًا عن نفاد الاحتياطي النقدي الأجنبي.

لكن البيانات التي استندت إليها عمليات التحقق تشير إلى أن الاحتياطي تراجع بالفعل، من دون أن يصل إلى الصفر.

وبحسب الأرقام الواردة في البيانات، بلغ الاحتياطي الأجنبي نحو 16.7 مليار دولار خلال العام المالي 2013-2014.

ويعني ذلك أن مصر واجهت ضغوطًا على مواردها من النقد الأجنبي، لكنها لم تكن قد فقدت احتياطياتها بالكامل، وهو فارق جوهري عند تقييم دقة التصريحات.

موازنة الأجور.. الأرقام الرسمية تناقض رواية الزيادة

وتناولت عمليات التحقق كذلك تصريحات بشأن ارتفاع موازنة الأجور خلال فترة حكم محمد مرسي، إذ أظهرت بيانات الموازنة العامة أن بند الأجور وتعويضات العاملين بلغ 142.9 مليار جنيه في العام المالي 2012-2013، مقابل 122.8 مليار جنيه في العام السابق.

وتختلف هذه الأرقام عن الرواية التي تتحدث عن ارتفاع البند من 80 مليار جنيه إلى 240 مليارًا خلال تلك الفترة.

وبناءً على الأرقام المنشورة، فإن الزيادة كانت أقل بكثير من هذا التصوير، ما يثير تساؤلات حول الأساس الذي استندت إليه المقارنة الواردة في الخطاب الرئاسي.

الاقتصاد لم يسجل نموًا سالبًا طوال تلك الفترة

وفيما يتعلق بمعدلات النمو، تشير البيانات التي استندت إليها عمليات التحقق إلى أن الاقتصاد المصري سجل معدلات نمو موجبة خلال السنوات المالية من 2010-2011 إلى 2013-2014، تراوحت، وفق الأرقام المذكورة، بين 1.8% و2.9%.

وتتعارض هذه المؤشرات مع تصوير الاقتصاد على أنه سجل نموًا سالبًا خلال تلك الفترة بأكملها. لكن تسجيل نمو موجب لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد كان في حالة جيدة؛ إذ يمكن أن يتباطأ النمو بشدة، أو يتراجع نصيب الفرد من الناتج، أو تتدهور مؤشرات التشغيل والأسعار، حتى مع استمرار الناتج المحلي في الارتفاع.

الإيرادات والصادرات والتحويلات

ومن بين أكثر التصريحات إثارة للتساؤلات، الحديث عن أن «كل حاجة بقت على الأرض» قبل تولي السيسي الحكم.

فالأرقام التي أوردتها عمليات التحقق بشأن الإيرادات العامة والصادرات وإيرادات قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمار الأجنبي، ترسم صورة أكثر تعقيدًا من الانهيار الشامل.

فبحسب البيانات المذكورة، ارتفعت الإيرادات العامة من 265.3 مليار جنيه في العام المالي 2010-2011 إلى 303.6 مليارات في 2011-2012، ثم 350.3 مليارًا في 2012-2013، وصولًا إلى 456.7 مليار جنيه في 2013-2014.

وتُظهر هذه الأرقام ارتفاع الإيرادات الاسمية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على تحسن الوضع المالي؛ إذ يجب احتساب التضخم ومقارنة الإيرادات بالمصروفات والعجز والدين العام.

أما الصادرات، فقد بلغت 26.9 مليار دولار في 2010-2011، ثم تراجعت إلى 25.1 مليارًا في 2011-2012، قبل أن تعود إلى 26.9 مليارًا في 2012-2013.

وبذلك، لا تدعم هذه السلسلة وصف الصادرات بأنها انهارت بصورة مستمرة خلال تلك السنوات.

وفي السياق نفسه، سجلت إيرادات قناة السويس، وفق الأرقام الواردة، نحو 5 مليارات دولار في 2010-2011، و5.2 مليارات في 2011-2012، ثم 5 مليارات في 2012-2013.

كما ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج من 12.5 مليار دولار في 2010-2011 إلى 17.9 مليارًا في 2011-2012. ثم 18.6 مليارًا في 2012-2013.

أما الاستثمار الأجنبي، فقد بلغ 2.1 مليار دولار في 2010-2011، وارتفع إلى 3.9 مليارات في 2011-2012. قبل أن يسجل 3.7 مليارات في 2012-2013.

وتوضح هذه المؤشرات أن الأداء اختلف من قطاع إلى آخر؛ إذ شهدت بعض البنود تراجعًا. بينما سجلت أخرى ارتفاعًا أو استقرارًا نسبيًا.

وبالتالي، فإن هذه البيانات لا تثبت أن الاقتصاد المصري كان خاليًا من الأزمات. لكنها تضعف التعميم القائل إن جميع المؤشرات انهارت.

كما تكشف أهمية تحديد المؤشر والفترة الزمنية عند تقييم أي مرحلة اقتصادية. بدلًا من جمع أزمات متعددة في رواية واحدة لا تميز بين التراجع والاستقرار والنمو.

وعود 2014..

ولا تقتصر المقارنة بين التصريحات والوقائع على مرحلة ما قبل 2014. بل تمتد إلى الوعود التي قدمها السيسي نفسه عند وصوله إلى الرئاسة.

فبحسب المادة التي استندت إليها عمليات التحقق. تعهد خلال حملته الانتخابية في مايو 2014 بأن يشعر المصريون بتغيير حقيقي خلال عامين. كما تحدث في خطاب تنصيبه في يونيو من العام نفسه عن تحسين حياة البسطاء ومحدودي الدخل خلال السنوات الأربع التالية.

وتعيد هذه التصريحات فتح ملف الفجوة بين الوعود السياسية والنتائج التي لمسها المواطنون. خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط التي تعرضت لها الدخول.

غير أن تقييم مدى تنفيذ الوعود يتطلب تحديد المقصود بالتغيير. ومقارنة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترات المحددة، بدلًا من الاكتفاء بعبارات عامة.

اقرأ أيضا

صندوق النقد يطالب بتقليص دور الدولة.. هل يدفع المواطن فاتورة الإصلاحات؟

Exit mobile version