اقتصاد

ارتفاع أسعار الأرز يضغط على موائد الفقراء.. هل يكفي الاكتفاء الذاتي لحماية الأسر المعدمة؟

لا تتوقف تداعيات ارتفاع أسعار الأرز في مصر عند حركة البيع والشراء في الأسواق، بل تمتد إلى موائد الأسر الأكثر فقراً، التي تعتمد على الحبوب والنشويات لتوفير الغذاء بأقل تكلفة ممكنة.

فمع زيادة أسعار الأرز الشعير بنحو ألف جنيه للطن خلال أسبوعين، وفق البيانات المنشورة، يعود السؤال عن قدرة أصحاب الدخول المحدودة على تحمّل أي زيادة جديدة في أسعار السلع الأساسية، حتى عندما تؤكد الجهات الرسمية توافر المحصول وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

وتكشف هذه المفارقة عن فجوة بين توافر الغذاء في السوق وقدرة المواطنين على شرائه؛ فوجود كميات كافية من الأرز لا يعني بالضرورة وصولها إلى جميع الأسر بأسعار تتناسب مع دخولها.

وتزداد حساسية هذه المسألة لدى الأسر التي تعيش في الفقر المدقع، أو ما يُشار إليه أحياناً بالأسر المعدمة، والتي تعجز عن توفير احتياجاتها الأساسية بصورة منتظمة.

عبء إضافي على الأسر المعدمة

ارتفعت أسعار الأرز الشعير بنحو ألف جنيه للطن خلال الأسبوعين الماضيين، لتتراوح حالياً بين 12.5 ألف و14 ألف جنيه، وفق البيانات الواردة في التقارير المنشورة. كما يتراوح سعر طن الأرز الأبيض بين 24 ألفاً و25 ألف جنيه، بحسب النوع.

ويربط رئيس قسم بحوث الأرز بمركز البحوث الزراعية، الدكتور بسيوني عبد الرازق، الزيادة الأخيرة بارتفاع مؤقت في الطلب على الأرز رفيع الحبة، إلى جانب تراجع إقبال المزارعين على البيع مع اقتراب نهاية الموسم.

ويقول إن الزيادة مؤقتة، مشيراً إلى استمرار وجود كميات من المحصول لدى المزارعين.

لكن وصف الزيادة بأنها مؤقتة لا يلغي أثرها الحالي على المستهلكين، خصوصاً الأسر التي لا تملك احتياطياً مالياً يسمح لها بامتصاص ارتفاع أسعار الطعام.

فهذه الأسر لا تستطيع دائماً تأجيل الشراء حتى تتراجع الأسعار، كما أن هامش التوفير لديها محدود أصلاً، وقد تضطر إلى تقليل الكميات أو الاستغناء عن أصناف غذائية أخرى لتغطية نفقاتها الأساسية.

ولا يعني ارتفاع سعر الأرز الشعير بالضرورة زيادة سعر الأرز الأبيض بالنسبة نفسها، إذ تتدخل تكاليف التبييض والنقل والتوزيع وهوامش البيع في تحديد السعر النهائي.

لكن استمرار ارتفاع تكلفة السلعة الأساسية، حتى بصورة محدودة، قد يضيف عبئاً جديداً إلى ميزانية الأسر الأشد فقراً.

الفقراء ينفقون معظم دخولهم على الطعام

تتضح خطورة هذه الزيادات عند وضعها في سياق الإنفاق الغذائي للأسر المصرية.

ففي تقرير نشرته منصة «درج» في مارس 2026، استناداً إلى بيانات بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2020، بلغت نسبة ما تنفقه الشريحة الأقل دخلاً على الغذاء نحو 69% من دخلها، مقارنة بـ45% في عام 2015.

كما أشار التقرير إلى أن 74% من الأسر المصرية خفضت استهلاكها من السلع الغذائية خلال عام 2022، وفق دراسة رسمية أوردها التقرير.

وتعني هذه الأرقام أن ارتفاع أسعار الغذاء لا يؤثر في جميع الأسر بالدرجة نفسها؛ فالأسر الأعلى دخلاً تستطيع في العادة إعادة توزيع إنفاقها، بينما تواجه الأسر الفقيرة خيارات أكثر قسوة، مثل تقليل كمية الطعام، أو شراء أصناف أقل جودة، أو الاستغناء عن بعض الاحتياجات الأخرى لتوفير المال اللازم للغذاء.

وفي تقرير آخر نشرته منصة «المنصة» في فبراير 2026، رصدت الصحفية إيناس حسين أوضاع أسر تضطر إلى تخصيص معظم دخلها للطعام، رغم تحملها نفقات الإيجار والمواصلات والتعليم والعلاج.

ونقلت عن إحدى الأسر أن دخلها لا يكفي إلا بالكاد لتغطية الاحتياجات الأساسية، فيما تعتمد أسر أخرى على المساعدات وموائد الرحمن لتوفير الطعام.

وتكتسب هذه الشهادات أهمية في فهم أثر ارتفاع الأرز؛ فهو ليس مجرد سلعة إضافية في قائمة مشتريات الأسرة. بل مكون أساسي في وجبات يومية لدى قطاعات واسعة من المصريين. بما يجعل أي تغير في سعره مؤثراً في إجمالي الإنفاق الغذائي.

خبراء يحذرون

وفي تعليق على الضغوط التي تفرضها أسعار الغذاء على الأسر المصرية، قال مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية. عبد المنعم السيد، لمنصة «المنصة»، إن غالبية الأسر المصرية اتجهت إلى التخلي عن كثير من السلع الكمالية. والاكتفاء بالاحتياجات الأساسية، مع البحث عن بدائل أقل تكلفة لتلبية متطلبات المعيشة.

وأضاف السيد أن هذه الأوضاع تكشف ضرورة معالجة الفجوة بين الأجور والأسعار، مشيراً إلى أن الراتب، حتى مع الزيادة السنوية. لم يعد قادراً على شراء الكميات نفسها من الغذاء والخدمات كما في السابق.

ورغم أن تعليق السيد تناول الضغوط المعيشية بوجه عام، فإنه ينطبق على معضلة الغذاء التي تواجه الأسر محدودة الدخل. فتراجع القدرة الشرائية يجعل استقرار الأسعار أو انخفاضها النسبي أكثر أهمية من مجرد الإعلان عن توافر السلع.

وفي سياق قريب، أشار الباحث المتخصص في قضايا الغذاء أحمد حرارة، في تقرير نشرته «درج» في مارس 2026. إلى أن ضعف القدرة الشرائية في ظل التضخم وارتفاع الأسعار يمنع كثيراً من الأسر. من شراء كميات كافية من الطعام أو اتباع نظام غذائي متوازن. ويدفعها إلى الاعتماد على أطعمة غنية بالسعرات الحرارية لكنها تفتقر إلى القيمة الغذائية اللازمة.

ويبرز هذا التحذير جانباً آخر من الأزمة. إذ قد لا تكون النتيجة الوحيدة لارتفاع الأسعار هي شراء كميات أقل من الأرز. بل احتمال تراجع تنوع الغذاء وجودته أيضاً، عندما تضطر الأسر إلى اختيار الطعام وفق السعر وحده. لا وفق احتياجات أفرادها الغذائية.

الاكتفاء الذاتي لا يضمن القدرة على الشراء

يؤكد رئيس قسم بحوث الأرز أن مصر تحقق الاكتفاء الذاتي من المحصول. موضحاً أن إنتاج الأرز الشعير يتراوح بين 6.5 و7 ملايين طن. ينتج عنها نحو 4.5 مليون طن من الأرز الأبيض، مقابل استهلاك محلي يقدر بنحو 3.6 مليون طن سنوياً.

كما أشار إلى أن المخزون الاستراتيجي الآمن يكفي ما بين 8 و12 شهراً من الاستهلاك.

اقرأ أيضا

وزير الري الأسبق: موارد مصر المائية لم تعد كافية.. والزراعة مطالبة بحساب تكلفة كل قطرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى