في توقيت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، تستضيف مدينة إسطنبول أول اجتماع ثماني يضم وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان، قبل لقاء موسع مع وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، لبحث ملفات الحرب في أوكرانيا، والتصعيد في اليمن، وأمن مضيق هرمز، والتوتر الإيراني الإسرائيلي، إضافة إلى القضية الفلسطينية.
ورغم تعدد الملفات المطروحة، فإن الاجتماع يكتسب أهمية خاصة في ظل الحديث المتزايد عن سعي أنقرة والرياض وإسلام آباد إلى تعزيز التعاون الدفاعي الإقليمي، وإحياء ما بات يُعرف إعلاميًا بـ"تحالف مكة"، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت مصر ستكون الحلقة الرابعة في هذا التكتل الأمني.
تحالف يتجاوز التنسيق السياسي
يرى مراقبون أن الاجتماع يأتي في إطار محاولة بناء محور إقليمي أكثر تماسكًا، بعد أن أثبتت الأزمات الأخيرة، سواء في البحر الأحمر أو الخليج أو اليمن، أن الترتيبات الأمنية التقليدية لم تعد كافية لحماية مصالح دول المنطقة.
وبالنسبة لتركيا والسعودية وباكستان، فإن وجود مصر داخل أي منظومة دفاعية يمنحها ثقلًا سياسيًا وعسكريًا كبيرًا، بالنظر إلى حجم الجيش المصري وموقعه الجغرافي وسيطرته على أحد أهم الممرات البحرية في العالم عبر قناة السويس.
لماذا تبدو مصر الحلقة الأصعب؟
ورغم التقارب الكبير بين القاهرة والرياض وأنقرة خلال العامين الأخيرين، فإن السياسة الخارجية المصرية ظلت حذرة تجاه الانضمام إلى تحالفات عسكرية ملزمة.
فالقاهرة، بحسب تصريحات رسمية متكررة، تفضل الحفاظ على استقلال قرارها العسكري، وعدم الانخراط في ترتيبات قد تفرض عليها التزامات خارج حدودها إلا وفق حساباتها المباشرة للأمن القومي.
توقيت حساس
يأتي اجتماع إسطنبول أيضًا بعد أسابيع من تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، وبعد دعوة عبد الفتاح السيسي البرلمان إلى مناقشة تفويض يسمح بإرسال قوات مصرية للدفاع عن المملكة إذا طلبت ذلك، وهو التفويض الذي لم يحسم بصورة نهائية حتى الآن.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تجعل أي نقاش حول ترتيبات دفاعية مشتركة أكثر حساسية بالنسبة للقاهرة. التي تحاول تحقيق معادلة دقيقة بين دعم السعودية باعتبار أمنها جزءًا من الأمن القومي العربي. وبين تجنب الانخراط المباشر في صراعات إقليمية طويلة.
ماذا يقول الخبراء؟
يرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور طارق فهمي، في تصريحات إعلامية متكررة لقنوات مصرية وصحف محلية. أن مصر تنظر إلى أي تحالفات أمنية من منظور المصلحة الوطنية أولًا. وأن القاهرة تفضل التعاون الثنائي أو متعدد الأطراف دون الالتزام بتحالفات عسكرية قد تقيد حرية قرارها.
ويشير أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسن نافعة، في مقابلات صحفية سابقة. إلى أن السياسة المصرية التقليدية تقوم على تجنب الدخول في محاور إقليمية مغلقة. مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية.
أما الباحث في الشؤون الإقليمية الدكتور سعيد اللاوندي. فقد أوضح في أكثر من حوار إعلامي أن أي منظومة أمنية في الشرق الأوسط لن تكون مكتملة من دون مصر. لكن القاهرة لن تنضم إليها إلا إذا كانت تحقق مصالحها الاستراتيجية بصورة مباشرة، ولا تفرض عليها التزامات عسكرية غير محسوبة.
هل ينجح "مثلث مكة"؟
ويرى محللون أن تركيا والسعودية وباكستان تمتلك اليوم دوافع مشتركة لتعزيز التعاون الدفاعي، في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية. إلا أن تحويل هذا التعاون إلى تحالف رسمي يضم مصر يبقى أكثر تعقيدًا.
فالقاهرة، رغم تقاربها الكبير مع الرياض وأنقرة، لا تزال تفضل الاحتفاظ بهامش واسع من استقلالية القرار العسكري. كما تحرص على عدم الدخول في ترتيبات قد تؤثر على علاقاتها مع أطراف إقليمية أخرى. أو توسع من نطاق التزاماتها العسكرية خارج حدودها.
