تراجع مؤشرات الفساد وسيادة القانون وحرية الصحافة.. من يراقب السلطة في مصر؟

تضع مؤشرات دولية معنية بسيادة القانون وحرية الصحافة ومكافحة الفساد مصر في مراتب متأخرة عالميًا، لتعيد فتح الأسئلة بشأن استقلال المؤسسات، وقدرتها على مراقبة السلطة التنفيذية، وضمان حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات ومحاسبة المسؤولين.

وتكتسب هذه النتائج أهميتها من أن المؤشرات الثلاثة تتناول جوانب مترابطة من إدارة الدولة؛ فسيادة القانون ترتبط بمدى خضوع السلطات للقواعد القانونية، بينما تقيس مؤشرات حرية الصحافة البيئة التي يعمل فيها الصحفيون، في حين يرصد مؤشر مدركات الفساد تصورات الخبراء ودوائر الأعمال بشأن فساد القطاع العام.

وبحسب أحدث الإصدارات المتاحة، جاءت مصر في المرتبة 135 من بين 143 دولة في مؤشر سيادة القانون لعام 2026، والمرتبة 169 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، كما احتلت المرتبة 130 من بين 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الذي نُشرت نتائجه في فبراير 2026.

سيادة القانون.. قيود على السلطة وغياب للانفتاح الحكومي

كشف مؤشر سيادة القانون الصادر عن مشروع العدالة العالمي (World Justice Project) أن مصر جاءت في المرتبة 135 عالميًا من أصل 143 دولة في إصدار عام 2026، كما احتلت المرتبة الأخيرة بين 10 دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شملها المؤشر.

ولا يقتصر المؤشر على تقييم المحاكم أو إجراءات التقاضي، بل يتناول أيضًا القيود المفروضة على سلطات الحكومة، والانفتاح الحكومي، والحقوق الأساسية، وإنفاذ القواعد التنظيمية، والعدالة المدنية والجنائية.

ولذلك، فإن دلالته تتجاوز كفاءة الجهاز القضائي إلى طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين.

وتظهر التفاصيل جانبًا أكثر دلالة؛ إذ جاءت مصر في المرتبة 143 والأخيرة عالميًا في عامل الحكومة المنفتحة، بينما احتلت المرتبة 141 في كل من القيود المفروضة على سلطات الحكومة والحقوق الأساسية.

وتطرح هذه النتائج سؤالًا جوهريًا حول قدرة المؤسسات الرقابية والتشريعية والقضائية على أداء أدوارها باستقلالية وفاعلية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمراجعة قرارات السلطة التنفيذية أو إتاحة المعلومات اللازمة للمواطنين لمتابعة السياسات العامة.

فسيادة القانون لا تعني وجود قوانين ومحاكم فحسب، وإنما تتطلب أيضًا تطبيق القواعد على الجميع، وإتاحة سبل الانتصاف القضائي، ووجود ضمانات تحول دون تركّز السلطة من دون رقابة فعالة.

حرية الصحافة.. تراجع القدرة على مراقبة السلطة

على صعيد آخر، وضع مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة، بدرجة بلغت 24.92 من 100. ورغم تقدمها مركزًا واحدًا مقارنة بترتيبها في عام 2025، فإنها ظلت ضمن المراتب المتأخرة عالميًا.

ويقيّم المؤشر بيئة العمل الصحفي عبر خمسة أبعاد تشمل السياق السياسي والاقتصادي والتشريعي والاجتماعي والأمني.

وفي حالة مصر، سجل المؤشر تراجعًا في المكوّن التشريعي خلال 2026، ضمن اتجاه أوسع رصدته المنظمة نحو تزايد استخدام القوانين والإجراءات القانونية لتقييد العمل الصحفي في عدد من دول العالم.

وتبرز أهمية هذا المؤشر في ارتباط حرية الصحافة بقدرة المجتمع على معرفة ما يجري داخل مؤسسات الدولة، وفحص القرارات العامة، وكشف أوجه القصور أو إساءة استخدام السلطة.

فكلما ضاقت مساحة العمل الصحفي المستقل، ازدادت صعوبة حصول الجمهور على معلومات متنوعة، كما تراجعت إحدى الأدوات المدنية التي تساعد على مساءلة المسؤولين.

ومن ثم، فإن تراجع ترتيب مصر لا يتعلق فقط بظروف الصحفيين، بل يفتح أيضًا نقاشًا حول حق المواطنين في المعرفة. ومدى توافر بيئة تسمح بنشر المعلومات والتحقيق في القضايا العامة من دون قيود غير مبررة.

الفساد.. مصر تسجل 30 نقطة من 100

وفي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، سجلت مصر 30 نقطة من 100. وجاءت في المرتبة 130 من أصل 182 دولة وإقليمًا.

ويقيس المؤشر مستويات الفساد المُدرَكة في القطاع العام، ولا يمثل إحصاءً مباشرًا لجميع وقائع الفساد التي تحدث داخل الدولة.

وتعكس النتيجة استمرار التحديات المرتبطة بالنزاهة والشفافية والمساءلة في القطاع العام. لكنها لا تكفي بمفردها لتحديد حجم الفساد الفعلي أو نسبة المسؤولين المتورطين فيه.

ومع ذلك، فإن بقاء مصر عند 30 نقطة، من دون تحسن مقارنة بالعام السابق. يضع فعالية إجراءات مكافحة الفساد والإصلاح المؤسسي موضع تساؤل.

وفي هذا السياق، تشير منظمة الشفافية الدولية إلى أهمية تقوية المؤسسات الرقابية، وتعزيز الشفافية. وحماية المجتمع المدني والإعلام المستقل، باعتبارها عناصر تساعد على الحد من إساءة استخدام السلطة ومحاسبة المسؤولين.

مؤشرات مترابطة.. من يراقب أصحاب السلطة والنفوذ؟

عند قراءة المؤشرات الثلاثة معًا، تتضح أهمية النظر إلى ما وراء الأرقام. فضعف القيود المؤسسية على السلطة، وتراجع حرية الصحافة، واستمرار التحديات المتعلقة بمدركات الفساد. تمثل ملفات مختلفة لكنها تتقاطع عند سؤال واحد: ما مدى قدرة مؤسسات الدولة والمجتمع على إخضاع القرارات العامة للمراجعة والمساءلة؟

ولا تثبت هذه المؤشرات وحدها أن أصحاب النفوذ يفلتون من المحاسبة في كل حالة. كما لا تكفي لإثبات علاقة سببية مباشرة بين تراجع حرية الصحافة ومستويات الفساد. لكنها توفر معًا أساسًا لطرح أسئلة بشأن استقلال المؤسسات، وشفافية إدارة الموارد العامة، وفاعلية الرقابة على المسؤولين.

اقرأ أيضا

بدراوي يقترح 3 نواب لرئيس الجمهورية..ويرفض "تأهيل الأكاديمية العسكرية" شرطا للرئاسة

Exit mobile version