في الوقت الذي تتمسك فيه القاهرة برفض إقامة مشروعات مائية إثيوبية دون اتفاقات ملزمة، تواصل أديس أبابا تنفيذ مشروعات تستند إلى حقها في استغلال مواردها المائية، ما يضع مصر أمام تحدٍ متزايد في حماية أمنها المائي عبر المسارات الدبلوماسية والقانونية والفنية.
وأعاد افتتاح سد ميجيتش الإثيوبي، المخصص للري وتوفير مياه الشرب، تسليط الضوء على حدود قدرة مصر على التأثير في قرارات المشروعات المائية التي تنفذها دول منابع النيل.
فبينما تؤكد الحكومة المصرية رفضها للإجراءات الأحادية، لا تزال الخلافات بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير قائمة دون اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل وتبادل البيانات.
ولا يعني ذلك أن جميع السدود الإثيوبية تهدد حصة مصر بالدرجة نفسها؛ إذ تختلف آثار المشروعات بحسب مواقعها وسعاتها التخزينية وأغراضها وطريقة تشغيلها.
لكن تكرار المشروعات دون تنسيق مسبق يثير مخاوف أوسع بشأن قدرة القاهرة على ضمان إدارة مشتركة ومستقرة لمياه النيل.
سد ميجيتش.. مشروع محدود يعيد طرح أزمة أكبر
افتتحت إثيوبيا رسميًا سد ميجيتش في 23 أكتوبر 2026، بحضور رئيس الوزراء آبي أحمد والرئيس الغاني جون دراماني ماهاما، وفقًا لوكالة أنباء غانا. ويقع المشروع في منطقة جوندر بإقليم أمهرة، ويستهدف دعم الري الزراعي وتوفير المياه للمدينة والمناطق المحيطة بها.
وتبلغ السعة التخزينية المعلنة للسد نحو 185 مليون متر مكعب، فيما يستهدف المشروع توفير مياه الري لنحو 17 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. ويقع السد على نهر ميجيتش، الذي يصب في بحيرة تانا، منبع النيل الأزرق.
وبالنظر إلى هذه المعطيات، لا يصح التعامل مع السد باعتباره تهديدًا مماثلًا لسد النهضة، الذي يمتلك سعة تخزينية أكبر بكثير ويقع مباشرة على النيل الأزرق.
ومع ذلك، فإن أهمية الواقعة تتجاوز حجم السد نفسه، لأنها تعيد النقاش حول المعيار الذي يحكم إقامة المشروعات المائية في حوض النيل، ومدى التزام الدول بالتشاور وتبادل البيانات قبل اتخاذ قرارات قد تؤثر في دول المصب.
وفي هذا السياق، قال وزير الري والموارد المائية هاني سويلم إن سد ميجيتش «صغير جدًا». مؤكدًا أن محدودية حجمه لا تغير موقف القاهرة الرافض للإجراءات الأحادية في حوض النيل.
من سد النهضة إلى مشروعات جديدة
لا تتوقف الخلافات المصرية الإثيوبية عند سد النهضة، الذي بدأت إثيوبيا بناءه عام 2011 وافتتحته رسميًا في سبتمبر 2025. بل تمتد إلى الموقف من المشروعات المائية الجديدة وآليات إدارتها.
ففي 4 أغسطس 2026، نقلت وكالة الأناضول عن سويلم قوله إن مصر لن تسمح ببناء سدود إثيوبية جديدة على النيل. وذلك بعد تقارير عن خطط إثيوبية لإنشاء ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق.
وفي المقابل، لم تكن تلك التقارير وحدها كافية لإثبات أن المشروعات الثلاثة دخلت مرحلة التنفيذ.
ومن ناحية أخرى، دافعت الحكومة الإثيوبية عن حقها في إنشاء السدود لأغراض الري وتوفير المياه والتنمية.
وقال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإثيوبية في 4 أكتوبر. إن بلاده تمارس حقها السيادي في تطوير مواردها المائية. وانتقد مطالبة مصر بالحصول على موافقتها قبل بناء مشروعات لا يرى أنها تسبب ضررًا كبيرًا.
وتكشف هذه المواقف عن فجوة أساسية بين الطرفين. فالقاهرة تطالب باتفاقات ملزمة تضمن عدم الإضرار بدول المصب وتنظم تبادل المعلومات. بينما تتمسك أديس أبابا بحقها في التنمية واستخدام مواردها المائية.
وبالتالي، لا تكمن المشكلة في بناء السدود من حيث المبدأ، بل في غياب إطار متفق عليه يحدد قواعد الإخطار المسبق. وتبادل البيانات، وتشغيل المنشآت المائية، والتعامل مع سنوات الجفاف والتغيرات المفاجئة في تدفقات المياه.
