في الوقت الذي تتصاعد فيه الخلافات بين القاهرة وأنقرة بشأن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، انطلقت في الإسكندرية مناورات "بحر الصداقة 2026" بين القوات البحرية المصرية والتركية، في خطوة تعكس استمرار التعاون العسكري بين البلدين رغم التباين الحاد في أحد أكثر ملفات شرق المتوسط حساسية.
وتستمر المناورات بمشاركة وحدات من القوات البحرية والقوات الخاصة البحرية التركية (SAT)، وتشمل تدريبات على العمليات السطحية، ومكافحة الغواصات، والدفاع الجوي، وعمليات الاقتحام تحت الماء، وذلك في إطار استئناف التعاون العسكري الذي عاد تدريجيًا منذ تحسن العلاقات السياسية بين البلدين.
غير أن توقيت هذه المناورات يطرح تساؤلات بشأن قدرة القاهرة وأنقرة على الفصل بين التعاون العسكري والخلافات السياسية، خاصة بعد الأزمة التي فجرتها مصادقة مجلس النواب الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، والتي اعتبرتها مصر تمس حقوقها السيادية في شرق المتوسط ولا تترتب عليها أي آثار قانونية بالنسبة لها.
أول اختبار للتقارب بعد الأزمة
تمثل مناورات "بحر الصداقة 2026" أول تعاون عسكري كبير بين البلدين منذ اندلاع الخلاف الأخير بشأن الاتفاق البحري، وهو ما يعكس حرص الطرفين على عدم انتقال الخلاف السياسي إلى المؤسسات العسكرية.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه القاهرة رفضها الصريح لمصادقة البرلمان الليبي على الاتفاق، باعتباره يتجاهل حقوقها البحرية، جاءت المناورات لتبعث برسالة موازية مفادها أن قنوات التعاون العسكري ما زالت قائمة، وأن الخلاف حول ملف شرق المتوسط لا يعني بالضرورة العودة إلى مرحلة القطيعة التي استمرت سنوات.
ويشير مراقبون إلى أن المؤسستين العسكريتين في البلدين تنظران إلى التعاون الأمني باعتباره ضرورة ترتبط بأمن البحر المتوسط، وتأمين خطوط الملاحة، ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وهي ملفات تتجاوز الخلافات السياسية المؤقتة.
ليبيا.. العقدة التي تعرقل التقارب
ورغم التحسن الكبير الذي شهدته العلاقات المصرية التركية خلال العامين الماضيين، فإن الملف الليبي لا يزال يمثل أكثر نقاط الخلاف حساسية.
فالقاهرة ترى أن الاتفاق البحري الموقع بين أنقرة وحكومة الوفاق السابقة، والذي صادق عليه مجلس النواب الليبي مؤخرًا، يتجاهل حقوقها في ترسيم الحدود البحرية، كما يتعارض مع قواعد القانون الدولي من وجهة نظرها.
أما تركيا فتعتبر الاتفاق جزءًا من ترتيبات قانونية تحفظ مصالحها ومصالح ليبيا في شرق المتوسط، وترى أن مصادقة البرلمان الليبي تمنحه زخمًا سياسيًا إضافيًا.
ولذلك، جاءت المناورات البحرية بينما لا تزال الأزمة السياسية قائمة، وهو ما يعكس وجود مسارين منفصلين في إدارة العلاقة بين البلدين؛ أحدهما سياسي يشهد خلافًا واضحًا، والآخر عسكري وأمني يسير بوتيرة مختلفة.
رسائل متبادلة
يحمل تنظيم المناورات عدة رسائل إقليمية.
فالرسالة الأولى تتمثل في أن القاهرة وأنقرة لا ترغبان في خسارة مسار التطبيع الذي استغرق سنوات لإعادة بنائه. حتى مع استمرار الخلافات حول بعض الملفات.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بشرق المتوسط، حيث يسعى الطرفان إلى منع تحول الخلاف البحري إلى مواجهة سياسية أو عسكرية مفتوحة. خاصة في ظل تعقيدات المشهد الليبي وتداخل المصالح الإقليمية والدولية.
كما تعكس المناورات رغبة مشتركة في الحفاظ على قنوات الاتصال بين القوات المسلحة. باعتبارها أحد أدوات إدارة الأزمات ومنع سوء الفهم في منطقة تشهد تنافسًا متزايدًا على موارد الطاقة والنفوذ البحري.
هل ينجح الطرفان في فصل السياسة عن التعاون العسكري؟
يرى عدد من المحللين أن استمرار المناورات رغم الأزمة الحالية يعكس تبني القاهرة وأنقرة سياسة "احتواء الخلاف". بحيث لا يؤدي النزاع حول ترسيم الحدود إلى تعطيل ملفات التعاون الأخرى.
لكن في المقابل، يحذر آخرون من أن استمرار تركيا في دعم الاتفاق البحري مع ليبيا. وتمسك مصر برفضه، قد يضع حدودًا للتقارب بين البلدين. خصوصًا إذا تطورت الأزمة إلى خطوات تنفيذية على الأرض تتعلق باستكشافات الغاز أو ترسيم المناطق الاقتصادية.
وفي جميع الأحوال، تبدو مناورات "بحر الصداقة 2026" مؤشرًا على أن العلاقات المصرية التركية دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا. مرحلة تجمع بين التعاون العسكري المتنامي والخلاف السياسي المستمر. في معادلة تعكس طبيعة التوازنات الجديدة في شرق المتوسط، حيث أصبحت المصالح الأمنية تدفع نحو التعاون. بينما تظل الملفات السيادية، وفي مقدمتها ترسيم الحدود البحرية، مصدرًا دائمًا للتوتر بين الجانبين.
