أعاد وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي الجدل حول ملف الأجور، بعدما أكد أن تحسين دخول المواطنين وزيادة الحد الأدنى للأجور أمر مطلوب، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يرتبط أي رفع للأجور بإنتاجية العامل، محذرًا من أن تجاوز الأجر للقيمة التي ينتجها العامل قد يؤدي إلى تراجع فرص التوظيف، أو يدفع أصحاب الأعمال إلى التحايل على القانون.
وخلال مداخلة هاتفية مع برنامج "كل الكلام" على قناة "الشمس"، قال غالي إن تحديد الحد الأدنى للأجور يجب أن يستند إلى القواعد الاقتصادية وليس إلى الرغبات أو الشعارات، مستشهدًا بتجربة بريطانيا وما وصفه بلجوء بعض الشركات إلى "عقود الصفر ساعة" لتفادي الالتزام بارتفاع الحد الأدنى للأجور.
كما رفض وزير المالية الأسبق تحديد قيمة مناسبة للحد الأدنى للأجور في مصر، معتبرًا أن ذلك يحتاج إلى متابعة دقيقة للمؤشرات الاقتصادية والإنتاجية الحالية.
تصريحات تعيد صاحب السياسات الاقتصادية المثيرة للجدل
ولم تمر تصريحات بطرس غالي مرورًا عاديًا، إذ أعادت إلى الواجهة الجدل القديم حول السياسات الاقتصادية التي ارتبطت باسمه خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، والتي اعتمدت على الخصخصة وتحرير الأسواق وتقليص دور الدولة، وهي السياسات التي لا تزال محل انقسام بين الاقتصاديين.
ويرى مؤيدو تلك السياسات أنها ساهمت في جذب الاستثمارات وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، بينما يعتبرها منتقدون سببًا رئيسيًا في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتركيز الثروة في يد شريحة محدودة من رجال الأعمال، على حساب العدالة الاجتماعية وتحسين أوضاع أصحاب الدخول المحدودة.
ولذلك، يرى مراقبون أن تصريحات بطرس غالي الأخيرة جاءت امتدادًا لمدرسة اقتصادية تعطي الأولوية لاعتبارات السوق وقدرة الشركات على تحمل تكلفة الأجور، أكثر من تركيزها على الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر المصرية.
هل تكفي الإنتاجية وحدها؟
ويأتي حديث بطرس غالي في وقت تعاني فيه الأسر المصرية من ارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة. وسط معدلات تضخم أثرت بصورة مباشرة على القوة الشرائية للأجور، الأمر الذي دفع الحكومة إلى إعلان خطة لرفع الحد الأدنى للأجور تدريجيًا إلى 15 ألف جنيه بحلول عام 2030.
إلا أن خبراء اقتصاد يرون أن ربط الأجور بالإنتاجية وحدها لا يقدم حلًا لأزمة المعيشة. خاصة في ظل التآكل المستمر للدخول بسبب ارتفاع الأسعار.
وقال الخبير الاقتصادي وائل النحاس، في تصريحات إعلامية سابقة. إن المشكلة الأساسية التي تواجه الاقتصاد المصري ليست فقط في مستويات الإنتاج، وإنما في تراجع القوة الشرائية للمواطن. مؤكدًا أن استمرار انخفاض قيمة الأجور مقارنة بمعدلات التضخم يؤدي إلى انكماش الاستهلاك ويؤثر سلبًا على النشاط الاقتصادي بأكمله.
كما أكد الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، في أكثر من تصريح صحفي، أن الإنتاجية لا ترتفع في فراغ. وإنما تحتاج إلى استثمارات في التعليم والتدريب وتحسين بيئة العمل. معتبرًا أن تحميل العامل وحده مسؤولية ضعف الإنتاجية يتجاهل عوامل اقتصادية وإدارية تتحمل الدولة وأصحاب الأعمال جانبًا كبيرًا منها.
العمال بين الغلاء والأجور
ومن جانبه، شدد مجدي البدوي نائب رئيس اتحاد عمال مصر، في تصريحات إعلامية. على أن أي خطة لزيادة الحد الأدنى للأجور يجب أن تشمل القطاع الخاص أيضًا، مع وجود جدول زمني واضح للتطبيق. مؤكدًا أن العامل المصري يواجه زيادات متواصلة في أسعار السلع والخدمات. الأمر الذي يجعل تحسين الأجور ضرورة اجتماعية واقتصادية في آن واحد.
ويرى مراقبون أن استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق نمو الدخول. يجعل أي نقاش حول الأجور مرتبطًا أيضًا بقدرة الحكومة على السيطرة على التضخم، وليس فقط بمعدلات الإنتاجية.
