في جلسة مثيرة للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، فجَّر وزير الصحة خالد عبد الغفار تصريحًا غير مسبوق، حين رد على مطالبات النواب المتكررة بدعم القطاع الصحي بقوله:
«إدوني تريليون جنيه، وأعملكم اللي أنتم عاوزينه»، مُظهرًا اعترافًا صريحًا بأن الموارد المالية الحالية لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للقطاع الصحي الذي يعاني بالفعل تراجعًا حادًا في مؤشرات الخدمات.
تراجع مؤشرات الصحة رغم الزيادة الرقمية في الموازنة
بالرغم من تصريحات سابقة لعبد الغفار نفسه حول زيادة ميزانية الصحة بنسب كبيرة، تكشف بيانات رسمية عن تراجع في الخدمات الأساسية بين 2014 و2024:
- انخفض عدد الأسرّة الحكومية بنسبة 25.2% في وزارة الصحة، وبلغت كلفة الأسرة الحكومية في 2024 نحو 52 .6 ألف سرير، مقارنة بـ65 .9 ألف في 2014، بينما ارتفعت أسرّة القطاع الخاص لكن دون تعويض النقص الحكومي.
- معدل الأسرة لكل ألف مواطن انخفض من 1.24 إلى 1.1، وهو أقل بنسبة 66.6% من المتوسط العالمي.
- رغم زيادة عدد الأطباء الكلي، انخفض معدلهم لكل 10 آلاف مواطن، ويعاني القطاع من هجرة الأطباء نتيجة ضعف الأجور وظروف العمل الصعبة.
- انخفضت أيضًا أعداد وحدات الرعاية الأولية والوحدات الصحية في الريف، ما يدل على ضعف الخدمات في المناطق الأكثر احتياجًا.
هذه البيانات تظهر تراجع الخدمات الصحية وعدم قدرة الزيادة في الموازنة على سد الفجوة الفعلية في القطاع، رغم التصريحات الحكومية المتفائلة بالحجم الرقمي للمخصصات.
حديث الوزير يشبه «مَثل التريليون» للسيسي
تصريح عبد الغفار في الطلب الصريح لـ «تريليون جنيه» يذكّر بتصريحات متداولة لعبد الفتاح السيسي عن حجم الموارد التي تحتاجها مصر.
ففي ديسمبر 2024 قال السيسي إن مصر تحتاج من تريليون إلى 2 تريليون دولار سنويًا كمصروفات لتغطية التعليم والصحة والدفاع والاستثمار وغيرها، في إشارة إلى حجم الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة في الموازنة العامة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تناول السيسي في مناسبات سابقة فكرة الموارد الضخمة التي ستغيّر وجه مصر إذا توفرت، إذ قال في أحد منتديات الشباب إنه لو حصل على 20 تريليون دولار مرة واحدة فسيفعل أشياء عظيمة بالبلاد، في تصريح لاقى سخرية واسعة لأنه بعيد عن واقع الاقتصاد المصري.
هذه التصريحات المتتابعة لوزير الصحة ولرئيس الجمهورية. تعكس اعترافًا ضمنيًا بفشل السياسات الاقتصادية في خلق موارد ذاتية كافية. واعتمادًا متزايدًا على منابع مالية ضخمة لا علاقة لها بالواقع العملي للاقتصاد المصري. في وقت يعاني فيه المواطن من تضخم في الأسعار وضعف الخدمات الأساسية.
الفجوة بين التصريحات والواقع
يظهر التناقض بين الوعود والوقائع في عدة نقاط:
- الزيادة العددية في الإنفاق لا تتحول إلى تحسين الخدمات الفعلية. خاصة في الصحة التي تحتاج بنية أساسية قوية وأعداد كافية من الأطباء والمستشفيات.
- التصريحات الكبرى حول حاجة الدولة لموازنات ضخمة تبدو بعيدة عن الواقع الاقتصادي. وتُستخدم أحيانًا كتبرير لسياسات تقشفية أو استدانة دون عرض خطة واضحة لكيفية إنتاج موارد محلية حقيقية.
- في الوقت الذي يطالب فيه الوزير بـ «تريليون» لرفع مستوى الخدمات. فإن الأسر المصرية تعيش ضغوطًا اقتصادية قاسية دون رؤية واضحة لتحسين جودة التعليم أو الصحة أو القوة الشرائية.
نظرة تحليلية
الخبير الاقتصادي د. أحمد شوقي يرى أن هذه التصريحات «تعكس أزمة في سياسات إدارة الموارد داخل الدولة. وأن الاعتماد على زيادة ميزانية أو طلب موارد ضخمة خارجة عن المنطق الاقتصادي لا يحل المشكلة الهيكلية. التي يعاني منها الاقتصاد المصري».
وأضاف أن «طلب موارد ضخمة مثل التريليون أو 20 تريليون دولار يُظهر ضعف تخطيط السياسات الاقتصادية الحقيقية. ويبعد الانتباه عن ضرورة حل المشكلات في جذورها مثل تراجع الإنتاجية، وتدهور الخدمات الأساسية، وارتفاع تكلفة الاقتراض».



