كيف تحولت الدورات التدريبية إلى أداة جديدة لعسكرة الدولة المصرية؟

في مشهد يعكس تداخلًا متزايدًا بين المؤسستين العسكرية والمدنية، نظّمت الكلية العسكرية التكنولوجية مراسم تخريج الدورة التدريبية الأولى لطلبة مركز التدريب المهني ببورفؤاد التابع لهيئة قناة السويس، بحضور قيادات عسكرية رفيعة ومسؤولي الهيئة، في خطوة تُقدَّم رسميًا بوصفها تعاونًا مؤسسيًا لإعداد الكوادر البشرية، لكنها تفتح في المقابل بابًا واسعًا للتساؤل حول حدود الدور العسكري في الحياة المدنية.

الفعالية، التي شملت عرضًا لانضباط الدارسين وتأهيلهم وفق “النظم المتبعة بالمنشآت التعليمية للقوات المسلحة”، لم تقتصر على الجوانب الفنية أو المهنية، بل حملت في مضمونها رسائل سياسية واضحة حول إعادة صياغة مفهوم التأهيل الوظيفي داخل الدولة المصرية تحت المظلة العسكرية.

من التدريب إلى العسكرة

ويقول الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن “المشكلة لا تكمن في التعاون الفني بين المؤسسات، بل في تحويل المؤسسة العسكرية إلى المرجعية الوحيدة للتأهيل والإدارة والانضباط، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الطابع المدني للدولة”.

توسع غير مسبوق

خلال السنوات الأخيرة، شهدت مصر إخضاع أئمة المساجد لدورات “تأهيل فكري” بإشراف مؤسسات سيادية، وتنظيم برامج تدريبية لمعلمي وزارة التعليم بأسلوب عسكري، فضلًا عن دورات موجهة لأعضاء النيابة الإدارية وبعض الهيئات القضائية، وهو ما اعتبره خبراء تجاوزًا لمبدأ الفصل بين السلطات والمؤسسات.

وترى الدكتورة نهى بكر، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. أن “عسكرة التعليم والتدريب لا تنتج بالضرورة كفاءات أفضل. بل تخلق موظفًا مطيعًا أكثر من كونه مبدعًا أو مستقلًا في قراره”.

قناة السويس… نموذج دال

يمثل اختيار هيئة قناة السويس لهذا النموذج التدريبي دلالة خاصة، نظرًا لمكانة القناة كمرفق اقتصادي دولي. يفترض أن يُدار بمنطق مدني احترافي منفتح على الخبرات العالمية، لا بمنطق الانضباط العسكري الصارم.

ويشير الباحث الاقتصادي وائل جمال. إلى أن “ربط تطوير العنصر البشري في المرافق الاقتصادية الحيوية بالمنظومة العسكرية قد يبعث برسائل سلبية للمستثمرين. مفادها أن الدولة تُدار بعقلية أمنية أكثر منها اقتصادية”.

بين الانضباط والهيمنة

فيما تروج الدولة لهذه الدورات باعتبارها وسيلة لرفع الكفاءة. يرى منتقدون أن الهدف الحقيقي يتمثل في إحكام السيطرة على مفاصل الدولة، وتوحيد نمط التفكير والإدارة. بما يقلص مساحات الاستقلال المؤسسي، ويحوّل المجتمع المدني تدريجيًا إلى امتداد للمنظومة العسكرية.

ويحذر الدكتور خالد عكاشة، الباحث في شؤون الحكم الرشيد. من أن “عسكرة كل شيء تؤدي في النهاية إلى دولة شديدة المركزية، ضعيفة القدرة على الابتكار. وتعتمد على الأوامر أكثر من الكفاءات”.

اقرأ أيضا

قاعدة سمحة الجديدة تعيد ملف الدور الإماراتي في اليمن والقرن الإفريقي للواجهة

Exit mobile version