تحوّل معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يُفترض أن يكون مساحة للتنوّع الفكري وتبادل الآراء، إلى ساحة تُمارَس فيها سياسات المنع والحظر. في مشهد يعكس اتساع دائرة التضييق على حرية الرأي والتعبير في مصر، وعدم السماح بالمعارضة أو حتى الاختلاف.
وخلال الدورة الحالية، تعرّضت العديد من الكتب ودور النشر لقرارات منع غير معلنة. في إجراءات أثارت تساؤلات واسعة حول معايير المشاركة وحدود الحرية داخل أكبر فعالية ثقافية في البلاد.
أيمن منصور… أحدث ضحايا المنع
الأكاديمي وأستاذ الإعلام بجامعة القاهرة الدكتور أيمن منصور كان أحدث ضحايا هذه السياسات. بعدما أعلن عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي منعه من عرض كتابه الجديد بعنوان «مصر بين نكستين» داخل أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب.
وأوضح منصور أن تعليمات صدرت للناشر بعدم تداول الكتاب داخل المعرض. بل والتخلص من النسخ المطبوعة، دون صدور أي إخطار رسمي أو بيان يوضح أسباب قرار المنع.
الكتاب يتناول قراءة تحليلية للأوضاع السياسية والاجتماعية في مصر، من خلال مقارنة بين مرحلة نكسة عام 1967 والمرحلة الراهنة. واصفًا الوضع الحالي بأنه «نكسة ثانية»، عبر رصد القواسم المشتركة بين الفترتين، لا سيما ما يتعلق بأداء السلطة، وبنية النظام السياسي، وتأثير ذلك على الدولة والمجتمع.
وفي منشور له، قال الدكتور أيمن منصور: «للأسف الشديد، صدرت تعليمات بمنع كتبي (غير الأكاديمية) من التداول في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وصدرت أوامر للناشر بعدم عرضها على الأرفف والتخلص منها».
وأضاف: «أتفهم سبب المنع، وأتعجب له، وأحزن لهم… إذ كيف يفكر البعض في الحاضر والمستقبل بعقلية الماضي السحيق».
وأشار منصور إلى أن كتبه لا تزال متاحة عبر تطبيق أبجد، وبنسخ إلكترونية على أمازون (كيندل)، فضلًا عن إتاحتها ورقيًا بشكل مجاني للأصدقاء.
المنع يمتد إلى دور النشر
لم يقتصر التضييق على الكتب والمؤلفين فقط، بل امتد ليشمل دور النشر نفسها. إذ أعلن المدير التنفيذي لدار المرايا للثقافة والفنون منعه من المشاركة في الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، للمرة الثانية على التوالي، دون تقديم أي توضيحات رسمية من الجهات المنظمة.
وأكد أن محاولاته المتكررة للتواصل مع إدارة المعرض منذ العام الماضي لم تلقَ أي رد. قبل أن تفاجأ الدار بحذف اسمها من منصة التسجيل الإلكترونية الخاصة بالمعرض، في خطوة اعتبرها تعسفية وغير مبررة.
أرقام قياسية… بلا مضمون ثقافي
ورغم تسجيل المعرض رقمًا قياسيًا في عدد الزوار، حيث بلغ 2.17 مليون زائر خلال خمسة أيام فقط. إلا أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة نجاحًا ثقافيًا حقيقيًا، بحسب آراء عدد من الخبراء والمثقفين.
فالكثيرون يرون أن الإقبال الجماهيري لا يأتي بدافع شراء الكتب أو الاطلاع على العناوين الجديدة أو حضور الفعاليات الثقافية. بل إن الغالبية تتعامل مع المعرض باعتباره حديقة عامة للتنزه أكثر منه منصة ثقافية.
انتقادات ثقافية حادة
وفي مقال للكاتب عمار علي حسن، أوضح أن الإقبال الكبير على المعرض لا يرتبط بالكتاب أو الثقافة، قائلًا إن: «الإقبال الشديد ليس بدافع شراء الكتب، أو حتى الاطلاع على عناوينها، أو حضور الفعاليات الثقافية، وإنما تعتبر الغالبية المعرض أشبه بحديقة عامة للتنزه، وهذه مسألة لا بد من علاجها».
وأضاف أن المعرض يزداد انحرافًا عن هدفه الحقيقي في ظل استبعاد أسماء كان يمكن أن تضفي حيوية حقيقية على النقاشات، معتبرًا أن ما يجري داخل المعرض بات أقرب إلى: «ثرثرة تصنع ضجيجًا يكاد يخلو من صوتٍ واضحٍ لمعنى، أو فكرة، أو قيمة، أو ذوق».
اقرأ أيضا
مطالبة السيسي بتنظيم استخدام السوشيال ميديا. حماية للنشء أم تقييد لجيل «زد»؟
