من يخدم من؟ الدولة تدعم الإسكان الفاخر ومحدودو الدخل خارج الحسابات
في ظل تسارع الإعلان عن مشروعات الإسكان الفاخر في مصر، يبرز مشروع “The Spine” كواحد من أكثر النماذج طموحًا من حيث الحجم والتكلفة، لكنه في الوقت ذاته يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول أولويات سوق العقار، والفجوة بين ما يُبنى وما يحتاجه المواطن فعليًا.
مشروع “The Spine”.. مدينة بلا سيارات ورؤية عالمية
أعلن رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى عن مشروع “The Spine” في القاهرة الجديدة، مؤكدًا أنه سيكون مجتمعًا سكنيًا متكاملًا خاليًا من السيارات بنسبة 100%، ويعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقديم نمط حياة عصري.
وجرى الإعلان بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، إلى جانب عدد من المسؤولين، حيث أشار مصطفى إلى أن المشروع يقدّر حجمه الاستثماري بأكثر من 1.4 تريليون جنيه، مع توقعات بتوفير مئات الآلاف من فرص العمل.
لمن تُبنى هذه المدن؟
رغم الطابع المستقبلي للمشروع، يطرح خبراء تساؤلات حول الفئة المستهدفة من هذا النوع من المجمعات.
يقول الخبير العقاري هاني توفيق في تصريحات إعلامية سابقة:
“المشروعات العقارية الفاخرة في مصر موجهة بالأساس إلى شريحة لا تتجاوز 5% من السكان، وهم القادرون على الشراء بالدولار أو ما يعادله”.
ويتفق معه الخبير الاقتصادي مدحت نافع، الذي أشار في مقابلات تلفزيونية إلى أن:
“الطلب الحقيقي في السوق المصري يتركز في الإسكان المتوسط ومحدود الدخل، بينما الجزء الأكبر من المعروض يتجه نحو الإسكان الفاخر، ما يخلق فجوة واضحة”.
كم تمثل هذه الفئة من المجتمع؟
تشير تقديرات خبراء السوق إلى أن الشريحة القادرة على شراء وحدات في مثل هذه المشاريع لا تتجاوز 5% إلى 10% من إجمالي السكان، في حين يعاني ملايين المصريين من صعوبة الوصول إلى سكن ملائم.
ويقول الخبير العقاري أحمد شلبي في تصريحات منشورة:
“هناك طلب حقيقي ضخم غير مُلبّى في شريحة الإسكان المتوسط، لكن المطورين يفضلون المشروعات الأعلى ربحية”.
هل تخدم هذه المشروعات الاقتصاد؟
يرى بعض الخبراء أن لهذه المشروعات جانبًا إيجابيًا، يتمثل في جذب استثمارات ضخمة وتحريك قطاعات مرتبطة بالبناء.
يقول الخبير الاقتصادي محمد فؤاد:
“القطاع العقاري يظل أحد محركات النمو، والمشروعات الكبرى تخلق فرص عمل وتدعم صناعات عديدة”.
لكن في المقابل، يحذر آخرون من اختلال هيكل السوق.
ويضيف مدحت نافع:
“التركيز المفرط على الإسكان الفاخر قد يؤدي إلى فقاعة عقارية، خاصة إذا لم يكن مدعومًا بطلب حقيقي واسع”.
لماذا تدعم الدولة هذا الاتجاه؟
يبقى السؤال الأكثر حساسية: لماذا تدعم الدولة هذه النوعية من المشروعات؟
يرى محللون أن الدولة تراهن على جذب العملة الصعبة من خلال بيع هذه الوحدات للمصريين بالخارج والأجانب، إضافة إلى تحقيق عوائد استثمارية سريعة.
ويشير هاني توفيق إلى أن:
“الدولة تنظر للقطاع العقاري كوسيلة لتوليد سيولة سريعة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية”.
في المقابل، يطالب خبراء بضرورة تحقيق توازن أكبر.
ويقول أحمد شلبي:
“لا بد من توجيه جزء أكبر من الاستثمارات إلى الإسكان الميسر، لأن هذا هو الاحتياج الحقيقي للمجتمع”.
بين الرفاهية والاحتياج.. فجوة تتسع
يعكس مشروع “The Spine” طموحًا عمرانيًا كبيرًا، لكنه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على فجوة متنامية بين نوعية المشروعات المطروحة واحتياجات غالبية السكان.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية، يبقى التحدي الأهم هو تحقيق معادلة متوازنة بين جذب الاستثمار وتوفير سكن ملائم لملايين المواطنين، في سوق يبدو أنه يميل أكثر نحو الرفاهية منه إلى تلبية الضرورة.

