المركزي للمحاسبات: الأصول المعطلة والديون المتزايدة تضغط على الاقتصاد

سلّط أحدث تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات الضوء على مجموعة واسعة من الاختلالات المالية والإدارية داخل مؤسسات الدولة، بدءًا من تعطل أصول ومعدات وأراضٍ حكومية بمليارات الجنيهات، مرورًا بتزايد الديون الحكومية والعجز المالي، وصولًا إلى ارتفاع الدين العام وتفاقم الفجوة التمويلية، وهي مؤشرات يرى اقتصاديون أنها ترتبط بشكل مباشر بالأوضاع المعيشية للمواطنين وارتفاع الأسعار وتراجع جودة الخدمات.

ويأتي التقرير في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا اقتصادية متراكمة تشمل التضخم وارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجع بعض مصادر النقد الأجنبي، ما يضع المالية العامة للدولة تحت اختبار صعب بين احتياجات الإنفاق الاجتماعي ومتطلبات إدارة الدين والعجز.

أصول معطلة وأموال غير مستغلة

كشف التقرير عن عدم الاستفادة من آلاف الأفدنة من أراضي الدولة، إلى جانب منشآت حكومية وأجهزة ومعدات لم تدخل الخدمة بسبب نقص التجهيزات أو الأعطال أو غياب التشغيل.

ويرى مراقبون أن استمرار تجميد هذه الأصول يعكس ضعفًا في كفاءة إدارة الإنفاق والاستثمار الحكومي، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من هذه الأصول تم تمويله من الموازنة العامة أو عبر قروض تتحمل الدولة تكلفتها.

كما حذر التقرير من تكدس مخازن حكومية بمعدات وتجهيزات غير مستخدمة، وهو ما اعتبرته لجنة الخطة والموازنة في البرلمان إهدارًا يقلل من كفاءة الإنفاق العام ويؤثر سلبًا على الحسابات الختامية للدولة.

ديون متزايدة وعجز مستمر

أبرز التقرير أيضًا استمرار ارتفاع الديون المستحقة للحكومة لتقترب من 700 مليار جنيه، معظمها متأخرات ضريبية وجمركية، في وقت يتزايد فيه اعتماد الدولة على الاقتراض المحلي والخارجي لتغطية الالتزامات المالية وسداد الديون السابقة.

وأشار الجهاز المركزي للمحاسبات إلى أن الدين العام بلغ نحو 82% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية الأخيرة، مع استمرار إصدار أدوات دين جديدة لسداد التزامات قائمة.

ورغم تأكيد وزارة المالية أن نسبة الدين شهدت تراجعًا مقارنة بالعام السابق، فإن اقتصاديين يرون أن استمرار ارتفاع أعباء الفوائد يضغط بشدة على الموازنة العامة، ويقلل من المساحة المتاحة للإنفاق على الخدمات الأساسية.

كيف ينعكس ذلك على حياة المواطنين؟

يربط محللون اقتصاديون بين هذه المؤشرات المالية وبين الضغوط المعيشية المتزايدة التي يواجهها المواطنون في مصر.

فارتفاع الدين والعجز يدفع الحكومة عادة إلى زيادة الضرائب أو خفض الدعم أو تقليص الإنفاق في بعض القطاعات، كما يؤدي إلى توسع الاقتراض المحلي، وهو ما يرفع أسعار الفائدة ويؤثر على تكاليف الإنتاج والاستثمار.

وفي المقابل، تنعكس هذه التكاليف في صورة ارتفاعات متتالية في أسعار السلع والخدمات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

كما أن ارتفاع تكلفة خدمة الدين يستهلك جزءًا كبيرًا من الموازنة العامة، ما يقلل من الموارد المتاحة لتحسين قطاعات مثل التعليم والصحة والنقل والخدمات الاجتماعية.

أزمة القمح والدعم التمويني

ومن بين أبرز الملاحظات التي كشفها التقرير، عدم إدراج نحو 38.2 مليار جنيه مرتبطة بمشتريات القمح المستورد ضمن بند الدعم في الحسابات الختامية، وهو ما أثار تحفظات برلمانية بشأن دقة إظهار حجم الدعم الحقيقي والعجز المالي.

وتأتي هذه القضية في ظل حساسية ملف القمح والدعم الغذائي في مصر، باعتباره مرتبطًا مباشرة بأسعار الخبز والسلع التموينية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين.

ويرى اقتصاديون أن أي اضطراب في إدارة ملف الدعم أو ارتفاع تكلفة الاستيراد قد ينعكس سريعًا على أسعار الغذاء. خاصة مع اعتماد مصر بشكل كبير على استيراد القمح من الخارج.

الفوائد والدين.. الحلقة الأكثر ضغطًا

أكدت وزارة المالية المصرية أن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا ومحليًا ساهم في زيادة أعباء خدمة الدين. وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة التمويلية وارتفاع تكلفة الاقتراض.

ويرى خبراء أن الفوائد أصبحت واحدة من أكبر بنود الإنفاق في الموازنة المصرية. ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الإيرادات الحكومية يذهب لسداد فوائد وأقساط الديون بدلًا من توجيهه للاستثمار أو تحسين الخدمات.

كما أن استمرار الاعتماد على أدوات الدين قصيرة الأجل يضع ضغوطًا متواصلة على المالية العامة. خاصة مع الحاجة المستمرة لإعادة التمويل.

الحكومة: الإصلاحات مستمرة

في المقابل، تؤكد الحكومة أنها تعمل على تحقيق “انضباط مالي” عبر توسيع القاعدة الضريبية. ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين كفاءة الإنفاق، إلى جانب خفض الدين الخارجي وإطالة عمر أدوات الدين.

كما أشارت وزارة المالية إلى تحقيق فائض أولي وصفته بأنه الأعلى في تاريخ مصر. مؤكدة أن الأداء المالي تأثر أيضًا بعوامل استثنائية مثل تداعيات الأوضاع الإقليمية وتراجع إيرادات قناة السويس.

بين الأرقام والواقع المعيشي

يعكس تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات صورة معقدة للاقتصاد المصري، تجمع بين محاولات الحكومة لتحقيق الاستقرار المالي. وبين استمرار الضغوط المرتبطة بالديون والعجز وارتفاع تكلفة المعيشة.

وبينما ترى الحكومة أن الإصلاحات الحالية ضرورية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. يظل المواطن هو الطرف الأكثر تأثرًا بنتائج هذه المعادلة. سواء عبر ارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية أو الضغوط المتزايدة على الخدمات الأساسية.

اقرأ أيضا

مشروع طلعت مصطفى الفاخر الجديد يحصل على امتيازات ضريبية ضخمة

Exit mobile version