شهدت مدينة الإسكندرية، زيارة رسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر، شارك خلالها في افتتاح المقر الجديد لجامعة «سنجور» إلى جانب عبد الفتاح السيسي، في خطوة عكست عمق العلاقات بين القاهرة وباريس، واتساع نطاقها من التعاون الثنائي التقليدي إلى ملفات إقليمية أكثر تعقيدًا ترتبط بأمن الشرق الأوسط والتوازنات الدولية في أفريقيا والمتوسط.
جامعة «سنجور» كواجهة للتعاون الاستراتيجي
الحدث الرئيسي للزيارة تمثل في افتتاح جامعة «سنجور» في الإسكندرية، وهي مؤسسة أكاديمية أفريقية تأسست عام 1990 تحت مظلة المنظمة الفرنكفونية، وتركز على إعداد كوادر قيادية في مجالات التنمية والإدارة العامة.
غير أن دلالات الحدث، وفق مراقبين، تتجاوز الإطار التعليمي، إذ يعكس اختيار هذا التوقيت والمكان رغبة الطرفين في إبراز شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل التعليم والثقافة والتنمية البشرية كمدخل لتعزيز النفوذ الناعم في القارة الأفريقية.
محادثات سياسية في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية
على هامش الزيارة، عقد السيسي وماكرون جلسة محادثات تناولت تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، خاصة الحرب في غزة، والأوضاع في لبنان، إضافة إلى جهود احتواء التصعيد الإقليمي.
وخلال اللقاء، شدد الرئيس المصري على ضرورة وقف التصعيد، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، والدفع نحو تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين، بينما أعرب ماكرون عن تطلع بلاده إلى تسوية سريعة تعيد الاستقرار للمنطقة.
هذه المحادثات، بحسب محللين، تعكس تنامي الدور المصري كوسيط إقليمي في الملفات الساخنة، في وقت تحاول فيه فرنسا الحفاظ على حضورها السياسي في الشرق الأوسط بعد تراجع نفوذها التقليدي.
أبعاد سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي
رغم الطابع الثقافي للزيارة، إلا أن مضمونها السياسي بدا أكثر عمقًا، إذ تأتي في سياق إقليمي ودولي مضطرب، يتسم بتصاعد التوترات في غزة والبحر الأحمر، وتغير موازين القوى في أفريقيا، إلى جانب المنافسة المتزايدة بين القوى الكبرى على النفوذ في الشرق الأوسط.
ويرى محللون أن باريس تسعى من خلال هذه الزيارة إلى إعادة ترسيخ حضورها في المنطقة عبر بوابة القاهرة، التي تمثل شريكًا استراتيجيًا محوريًا في ملفات الأمن والهجرة والطاقة، فضلاً عن دورها المتنامي في القارة الأفريقية.
في المقابل، تعمل القاهرة على تعزيز شراكاتها مع القوى الأوروبية الكبرى في ظل تحديات اقتصادية وضغوط إقليمية. بما يعزز من قدرتها على المناورة السياسية في الملفات الإقليمية الحساسة.
لماذا جاءت الزيارة الآن؟
توقيت زيارة ماكرون يحمل، وفق تقديرات سياسية، عدة دلالات أساسية، أبرزها:
أولًا، محاولة تنسيق المواقف بشأن الحرب في غزة في ظل تعثر المسارات السياسية وتزايد الضغوط الدولية.
ثانيًا، تعزيز الشراكة الاقتصادية والعسكرية بين مصر وفرنسا. خاصة في مجالات النقل والطاقة والتسليح، وهي ملفات شهدت تعاونًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة.
ثالثًا، إعادة تنشيط الدور الفرنسي في أفريقيا عبر بوابة الفرنكفونية. في مواجهة تمدد قوى دولية أخرى في القارة.
رابعًا، دعم الاستقرار الإقليمي في شرق المتوسط والبحر الأحمر. وهي مناطق تشهد توترًا متصاعدًا يهدد سلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
دلالات أوسع للشراكة المصرية الفرنسية
افتتاح جامعة «سنجور» بحضور قادة أفارقة ومسؤولين من المنظمة الفرنكفونية والاتحاد الأفريقي. يعكس محاولة لبناء إطار تعاون متعدد الأطراف، يربط بين التعليم والتنمية والسياسة الخارجية. ويمنح القاهرة وباريس مساحة أوسع لتنسيق النفوذ في أفريقيا.
كما أن تأكيد الجانبين على الشراكة الاستراتيجية، التي رُفعت إلى مستوى أعلى في 2025. يشير إلى انتقال العلاقات من التعاون التقليدي إلى شراكة قائمة على إدارة مشتركة لملفات إقليمية معقدة.



