جثث المتوسط تعرّي خطاب السيسي حول “مكافحة الهجرة غير الشرعية”

أعادت مأساة غرق مركب للهجرة غير الشرعية قبالة سواحل سيدي براني، وما تبعها من انتشال جثث متحللة لفظها البحر، فتح واحد من أكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا في مصر والمنطقة، وهو ملف الهجرة غير النظامية الذي لا يزال يحصد أرواح مئات الشباب سنويًا، رغم سنوات من التشديد الأمني والتفاهمات الإقليمية والدعم الأوروبي الواسع الموجه للقاهرة تحت عنوان “مكافحة الهجرة غير الشرعية”.

ففي الوقت الذي تواصل فيه السلطات المصرية الترويج لنجاحها في وقف تدفقات المهاجرين نحو أوروبا، وتقديم نفسها باعتبارها “حائط صد” يحمي الضفة الشمالية للمتوسط من موجات الهجرة، تكشف الوقائع المتكررة على الأرض عن صورة مغايرة؛ إذ لا تتوقف رحلات الموت عبر البحر، كما لا تتوقف أخبار الجثث التي تعود إلى الشواطئ أو المفقودين الذين يبتلعهم المتوسط دون أثر.

جثث جديدة على شواطئ المتوسط

المشهد الأخير بدأ بإعلان مؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين والخدمات الإنسانية العثور على 17 جثة متحللة إثر غرق مركب هجرة غير شرعية قبالة سواحل سيدي براني بمحافظة مطروح، مع استمرار عمليات البحث عن مفقودين آخرين وسط ظروف بحرية معقدة.

وبحسب المعطيات الأولية، كان المركب يحاول عبور البحر المتوسط في رحلة غير نظامية نحو السواحل الأوروبية، ضمن مسار بات مألوفًا لعشرات الآلاف من الشباب الباحثين عن الخروج من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة.

ورغم عدم الإعلان رسميًا عن جنسيات الضحايا، فإن تكرار هذه الحوادث في الساحل الغربي المصري غالبًا ما يرتبط بمهاجرين مصريين أو أفارقة ينطلقون عبر شبكات تهريب تنشط بين ليبيا ومصر والسواحل الأوروبية.

“شرطي المتوسط”.. رواية رسمية تتعرض للاهتزاز

خلال السنوات الماضية، سعت القاهرة إلى تقديم نفسها أمام أوروبا باعتبارها نموذجًا ناجحًا في منع تدفقات الهجرة غير الشرعية، وهو الخطاب الذي استخدمته السلطات المصرية بشكل متكرر في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، خاصة مع تصاعد المخاوف الأوروبية من موجات اللجوء والهجرة القادمة من الجنوب.

كما حصلت مصر، في المقابل، على دعم مالي وسياسي أوروبي متزايد تحت لافتة التعاون الأمني وضبط الحدود، بينما جرى الترويج الرسمي لفكرة أن الدولة نجحت في منع انطلاق قوارب الهجرة من السواحل المصرية.

لكن حوادث الغرق المتكررة، واستمرار نشاط شبكات التهريب، يكشفان أن الأزمة لم تُحل فعليًا، وإنما تغيرت فقط مساراتها وأشكالها.

فبدلًا من الانطلاق المباشر من بعض السواحل التقليدية، أصبحت شبكات التهريب أكثر مرونة في استخدام مسارات جديدة، مستفيدة من الحدود الممتدة والفوضى الإقليمية، خصوصًا في ليبيا.

لماذا تستمر الهجرة رغم القبضة الأمنية؟

اللافت أن استمرار رحلات الهجرة لا يرتبط فقط بوجود شبكات تهريب منظمة، وإنما أيضًا بتفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل مصر ودول المنطقة.

فارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين مستويات المعيشة والطموحات. كلها عوامل تدفع قطاعات واسعة من الشباب إلى اعتبار الهجرة، مهما كانت خطورتها، فرصة أخيرة للنجاة الاقتصادية.

ولهذا يرى مراقبون أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية. لأن معالجة الظاهرة تتطلب حلولًا اقتصادية وتنموية حقيقية تمنح الشباب أفقًا للحياة داخل بلدانهم. بدلًا من دفعهم إلى قوارب الموت.

أوروبا تبحث عن الحماية لا الحلول

في المقابل، تبدو أوروبا أكثر اهتمامًا بمنع وصول المهاجرين إلى حدودها، وليس بمعالجة جذور الأزمة في دول الجنوب. ولذلك تركز الشراكات الأوروبية مع دول مثل مصر وليبيا وتونس على تشديد الرقابة البحرية والأمنية، وتقديم الدعم لأنظمة ضبط الحدود.

غير أن تكرار الكوارث الإنسانية في المتوسط يكشف حدود هذه السياسة. إذ تتحول دول الجنوب عمليًا إلى مناطق احتجاز كبرى للمهاجرين. بينما تستمر شبكات التهريب في التكيف مع الإجراءات الأمنية وتطوير وسائلها.

البحر يكشف الحقيقة

ومع كل جثة يلفظها البحر، تتجدد الأسئلة حول حقيقة نجاح السياسات المعلنة لمواجهة الهجرة غير الشرعية. فالأرقام الرسمية والخطابات السياسية قد تتحدث عن نجاحات أمنية، لكن صور الضحايا وقصص العائلات المكلومة تقول شيئًا مختلفًا.

اقرأ أيضا

الحبس الاحتياطي في مصر.. إجراء قانوني أم عقوبة مفتوحة؟

Exit mobile version