حين يرسب أكثر من ثلثي طلاب الفرقة الأولى بكليات الطب في جامعتين خلال عام واحد، يصعب اعتبار الأمر مجرد تفاوت طبيعي في المستوى الأكاديمي.
نسب النجاح المتدنية في كليتي طب وجراحة الفم والأسنان بسوهاج وطب الأسنان بأسيوط -34.23% و36% على التوالي- أعادت فتح ملف حساس يتكرر سنويا دون أن يجد حسما نهائيا: هل تعكس هذه الأرقام فجوة حقيقية بين ما حصله الطلاب من درجات في الثانوية العامة وما يمتلكونه فعليا من مهارات أكاديمية، أم أن الجامعة نفسها تطبق معايير تقييم أكثر صرامة من المتوقع؟
فجوة بين "المجموع" و"الأداء الفعلي"
يكمن جوهر الجدل في تناقض ظاهري: طلاب التحقوا بكليات الطب بمجموع مرتفع في الثانوية العامة، وهو ما يُفترض أن يعكس تفوقا أكاديميا حقيقيا يؤهلهم لتحمل أعباء دراسة طبية معروفة بصعوبتها، لكن نتائجهم الجامعية في السنة الأولى نفسها جاءت بعيدة كل البعد عن مستوى هذا التفوق المُعلن.
هذه الفجوة تحديدا، لا نسبة الرسوب في ذاتها، هي ما يغذي الشكوك حول مصداقية الدرجات التي حصل عليها هؤلاء الطلاب في مرحلة ما قبل الجامعة.
الجامعات تتحدث عن "معايير عادلة".. لا عن أسباب الرسوب
في ردها على تدني النسب، اكتفت جامعة سوهاج بالتأكيد على التزامها بمعايير التقييم العادل والموضوعي، واصفة الشفافية في إعلان النتائج بأنها تعكس قوة منظومتها الأكاديمية.
هذا الرد، وإن كان مفهوما من زاوية الدفاع عن نزاهة الامتحانات الجامعية، لم يتطرق مباشرة إلى السؤال الأهم الذي يشغل الرأي العام: لماذا يفشل هذا العدد الكبير من الطلاب المتفوقين ثانويا في مواكبة المستوى الجامعي بهذا الشكل المتكرر؟
الاكتفاء بالحديث عن "عدالة التقييم" يجيب عن نزاهة الجامعة، لا عن أسباب الفجوة نفسها.
"لجان أولاد الأكابر".. مصطلح شعبي يقابله نفي رسمي حاسم
طرح أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، الدكتور عاصم حجازي، احتمال وجود ما وصفه بـ"لجان الغش الجماعي"، في إشارة إلى المصطلح الشعبي المتداول في صعيد مصر خلال السنوات الماضية حول تسهيلات مزعومة لأبناء بعض العائلات الكبيرة أثناء أداء امتحانات الثانوية.
من المهم هنا التمييز بوضوح بين طرح هذا الاحتمال كتفسير أكاديمي محتمل من جانب خبير تربوي، وبين وجود دليل قاطع على تحققه فعليا؛ فوزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف نفى بشكل قاطع في مايو الماضي وجود أي "لجان أولاد الأكابر" داخل منظومة الامتحانات، مؤكدا التدخل الفوري حال رصد أي مخالفات.
التقرير إذن أمام روايتين متعارضتين لم تُحسم بعد بدليل قاطع لأي منهما.
الغش الإلكتروني.. مشكلة موثقة بمعزل عن الاتهامات الأخرى
بخلاف مزاعم التمييز داخل اللجان، هناك جانب آخر من المشكلة موثق بشكل أوضح. تكرار ظاهرة "غروبات الغش" عبر تطبيقات مثل تليجرام التي تنشر أسئلة الامتحانات أثناء خوضها أو قبله. وهي ظاهرة اعترفت بها وزارة التربية والتعليم نفسها سابقا وأحالت على إثرها عددا من الطلاب للتحقيق.
هذا النوع من الغش الإلكتروني منفصل تماما عن اتهامات "التمييز الطبقي" داخل اللجان. ويمثل مشكلة تقنية وأمنية أوسع تخص كل الطلاب بمعزل عن خلفياتهم الاجتماعية. وهو ما دفع عبد الفتاح السيسي لتوجيه بتشديد العقوبات على المتورطين في ديسمبر الماضي.
ليست المرة الأولى.. نمط متكرر منذ سنوات
يكشف السياق التاريخي أن أزمة الرسوب الجماعي في كليات الطب بالصعيد ليست جديدة. إذ نجح 25% فقط من طلاب الفرقة الأولى بطب سوهاج عام 2024. فيما رسب 229 طالبا من أصل 671 بالفرقة الأولى عام 2023.
هذا التكرار السنوي للظاهرة، بمعدلات متقاربة تراوحت جميعها حول ربع أو ثلث النسبة الناجحة فقط. يضعف فرضية أن السبب مرتبط بصعوبة استثنائية في امتحان عام بعينه. ويرجح بدلا من ذلك وجود خلل بنيوي متكرر إما في آلية القبول أو في نزاهة الامتحانات التي تسبق
