بعد عام ونصف من التوقيع.. أين وصل تنفيذ "رأس الحكمة" فعليا على الأرض؟

بين لقاء مدبولي الأخير مع رئيس دائرة المالية بأبوظبي، وجولته الميدانية السابقة في يوليو الماضي، تتكرر عبارة "المتابعة المستمرة" في كل ظهور رسمي يخص مشروع "رأس الحكمة"، أضخم صفقة استثمارية في تاريخ مصر بقيمة 150 مليار دولار.

لكن كثرة اللقاءات التنسيقية نفسها تطرح سؤالا مشروعا: هل يعكس هذا التواتر في المتابعات تقدما فعليا ملموسا في التنفيذ، أم أنه بات جزءا من طقوس إعلامية دورية تحتاج ترجمة أوضح لمعدلات الإنجاز الحقيقية على الأرض؟

من التدشين إلى "الموقف التنفيذي".. مسار عامين من المتابعة

وقعت مصر اتفاق تطوير مدينة رأس الحكمة بشراكة إماراتية في فبراير 2024، قبل أن يدشن الرئيسان عبد الفتاح السيسي ومحمد بن زايد آل نهيان المشروع رسميا في أكتوبر من العام نفسه.

ومنذ ذلك الحين، تتوالى اللقاءات الحكومية بصيغة شبه ثابتة: استعراض لـ"الموقف التنفيذي" وتأكيد على "الالتزام بالبرنامج الزمني المخطط"، كما جاء في لقاء مدبولي الأخير مع جاسم الزعابي رئيس مجلس إدارة مجموعة "مُدن القابضة".

هذا التكرار اللغوي عبر أكثر من عام ونصف من المتابعات يجعل من الصعب على المتابع تمييز التقدم الفعلي من عام لآخر، في غياب مؤشرات رقمية محددة تعلن عنها الحكومة بانتظام حول نسب الإنجاز الفعلية لكل مكون من مكونات المشروع.

مرحلة أولى وشيكة.. لكن بلا موعد دقيق معلن

أكد جاسم الزعابي أن معدلات التنفيذ تسير وفق البرامج الزمنية المخططة، بما يتيح دخول مكونات المرحلة الأولى -الفندقية والتجارية والترفيهية- الخدمة "وفق توقيتاتها".

لكن التصريح لم يتضمن تاريخا محددا لهذا الدخول الفعلي للخدمة، وهي نقطة جوهرية بالنظر إلى أن المشروع يمتد على مساحة هائلة تبلغ 170 مليون متر مربع، ويشمل مكونات متنوعة من أحياء سكنية وفنادق عالمية ومنطقة حرة للتكنولوجيا وحي مركزي للمال والأعمال ومطار دولي، ما يجعل تحديد مرحلة "الافتتاح الفعلي الأول" أمرا يهم المستثمرين والسياح على حد سواء أكثر من التطمينات العامة حول الالتزام بالجدول الزمني.

زيارة ميدانية جديدة.. تكرار لنمط سابق

كشف بيان مجلس الوزراء عن الاتفاق على تنظيم زيارة ميدانية قريبة لمتابعة معدلات الإنجاز على أرض الواقع، في تكرار لما فعله مدبولي بالفعل في جولته السابقة بيوليو الماضي، حين تحدث حينها عن توجيهات رئاسية بضرورة الإسراع في تنفيذ المشروعات.

تكرار الحديث عن "الإسراع" في أكثر من مناسبة خلال فترة زمنية تفصل بينها أشهر طويلة يثير تساؤلا حول ما إذا كانت وتيرة التنفيذ الفعلية تواكب هذه الدعوات المتكررة للتسريع، أم أن الفجوة بين التوجيه الرئاسي والتنفيذ الفعلي لا تزال قائمة.

قراءة اقتصادية متفائلة.. لكنها تبقى تقديرية

يصف الدكتور عمرو صالح، أستاذ الاقتصاد السياسي والمستشار السابق بالبنك الدولي، رأس الحكمة بأنه مشروع استراتيجي يمثل رسالة ثقة للمستثمرين، ويجمع بين الخبرة التمويلية الإماراتية والإمكانات المصرية.

ويتوقع صالح أن يسهم المشروع في جذب استثمارات أجنبية إضافية وتوفير فرص عمل وزيادة الإيرادات السياحية.

هذه التوقعات، وإن كانت مبنية على تحليل اقتصادي معقول لحجم المشروع وطبيعته. تبقى تقديرات مستقبلية غير مرتبطة بأرقام تنفيذ فعلية معلنة حتى الآن. ما يجعل الحكم النهائي على مدى تحقق هذه الفوائد الاقتصادية مرهونا بمدى التزام المشروع فعليا بجداوله الزمنية المعلنة.

شراكة بمليارات الدولارات.. ومسؤولية تنفيذية مشتركة

يتولى تنفيذ المشروع شركة "أبوظبي التنموية القابضة" بالتعاون مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة المصرية. في نموذج شراكة يجمع بين القطاع الاستثماري الإماراتي والجهاز التنفيذي الحكومي المصري.

هذا التوزيع للأدوار، مع استمرار اللقاءات التنسيقية رفيعة المستوى بين الجانبين. يعكس حرصا مشتركا على إبقاء المشروع تحت متابعة سياسية مباشرة. لكنه يبقي أيضا السؤال الأهم مفتوحا. متى ستتحول هذه المتابعات المتكررة إلى إعلانات رسمية بمواعيد تشغيل فعلية. ونسب إنجاز رقمية واضحة يمكن للرأي العام والمستثمرين قياس التقدم الحقيقي للمشروع من خلالها؟

اقرأ أيضا

النجاح بكليات الطب 34% فقط.. هل "الغش" بامتحانات الثانوية العامة أفسد التعليم الجامعي؟

Exit mobile version