تعديلات برلمانية على القانون الحكومي
أدخلت لجنة برلمانية مشتركة تعديلات على مشروع قانون مقدم من الحكومة بشأن جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، شملت تقليص الإعفاءات الضريبية المقترحة، وقصر ولاية الجهاز على الأراضي المملوكة له، ووضع حد أقصى لزيادة الرسوم، وإعادة تفعيل الرقابة الكاملة للجهاز المركزي للمحاسبات.
غير أن الصورة التي حاولت الأطراف الرسمية تسويقها، باعتبار هذه التعديلات "انتصارا رقابيا" للبرلمان على الحكومة، يشكك فيها مراقبون وخبراء قانونيون يرون أن ما جرى لا يعدو كونه صياغة نهائية اقتربت في جوهرها من الشكل الذي أرادته الحكومة والمؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها الجهاز أصلا، مع تعديلات شكلية محدودة الأثر على جوهر الصلاحيات الواسعة الممنوحة للكيان الجديد.
بيان الجهاز: نفي "قاطع" واتهام بعدم الدقة
في مقابل هذا الجدل، أصدر جهاز مستقبل مصر بيانا رسميا نفى فيه بصورة قاطعة ما تضمنته بعض التقارير والمنشورات المتداولة عبر منصات إعلامية بشأن وضعه القانوني واختصاصاته وآليات الرقابة عليه، ووصف تلك الاستنتاجات بـ"غير الدقيقة".
وأكد الجهاز أن المناقشات البرلمانية حول مشروع القانون شهدت "مناقشات موسعة اتسمت بالشفافية والجدية، شاركت فيها الحكومة واللجان البرلمانية ومختلف القوى السياسية"، وانتهت إلى صياغة "حظيت بتوافق واسع".
وأضاف البيان أن "جميع الملاحظات التي أُثيرت خلال المناقشات البرلمانية حظيت بالدراسة والاستيعاب الكامل"، وأن الصيغة المتوافق عليها جاءت "ثمرة حوار مؤسسي مسؤول" يحقق التوازن بين مستهدفات التنمية ومتطلبات الحوكمة وسيادة القانون.
قراءة مغايرة: توقيت التعديلات يتزامن مع ملف صندوق النقد
يرى مراقبون وخبراء قانونيون، بحسب ما تناولته تقارير اقتصادية متعددة، أن توقيت هذا التحول التشريعي لا ينفصل عن الضغوط المستمرة التي يمارسها صندوق النقد الدولي على القاهرة لتقليص النفوذ الاقتصادي للمؤسسة العسكرية وإخضاع كياناتها التجارية لرقابة مدنية وموازناتية واضحة، باعتبار ذلك أحد الشروط غير المعلنة رسميا ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع الصندوق.
ويشير هؤلاء إلى أن صياغة قانون خاص بالجهاز، ونقل تبعيته الشكلية من القوات المسلحة إلى رئاسة الجمهورية مباشرة. قد يمثل استجابة غير مباشرة لهذه الضغوط، أكثر من كونه تحولا جوهريا في طبيعة إدارة الجهاز أو نطاق صلاحياته الواسعة.
وبحسب هذه القراءة، فإن التعديلات التي أدخلها البرلمان. رغم أهميتها الشكلية من حيث تقليص بعض الإعفاءات الضريبية ووضع سقف لزيادة الرسوم وإعادة تفعيل رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات. لا تمس جوهر الصلاحيات الواسعة التي يحتفظ بها الجهاز. والتي تشمل صلاحيات تتعلق بالاقتراض وإنشاء شركات تابعة وإدارة مناطق تنمية مستدامة. معفاة من عدد من القوانين المنظمة للشركات المملوكة للدولة. وفق ما ورد في مسودة مشروع القانون الذي اطلعت عليه وكالات دولية.
ويخلص أصحاب هذا الطرح إلى أن الصورة النهائية للقانون تبقى أقرب إلى ما أرادته الحكومة والمؤسسة العسكرية في المقام الأول. بينما تُقدَّم التعديلات البرلمانية كدليل على وجود رقابة تشريعية فعلية. في وقت تسعى فيه الدولة لإظهار التزامها أمام المؤسسات الدولية المانحة بمعايير الحوكمة والشفافية في إدارة الكيانات الاقتصادية المرتبطة بالجيش.
خلفية المشروع: من الدفاع إلى الرئاسة
كان مشروع القانون الذي صاغته الحكومة وقدمته للبرلمان يستهدف نقل تبعية جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة. من مظلة وزارة الدفاع، ليصبح جهازا قوميا ذا طبيعة خاصة يتبع رئيس الجمهورية مباشرة، ويتمتع باستقلال فني ومالي وإداري.
ويأتي هذا التحول بعد سنوات من التوسع المتسارع لنشاط الجهاز في قطاعات متعددة. من الزراعة والصناعة إلى استيراد السلع الأساسية وإدارة الأراضي والمشروعات العقارية. ما جعله أحد أبرز الكيانات الاقتصادية ذات الصلة بالمؤسسة العسكرية في مصر.



