"مستقبل مصر" يبتلع السوق تباعًا.. من القمح إلى بنجر السكر وأحدث حلقات التوسع
توقف تعاقدات السكر.. الحلقة الأحدث في مسار التمدد
أحجمت شركات السكر الحكومية عن إبرام تعاقداتها السنوية المعتادة مع مزارعي بنجر السكر لشراء محصول الموسم الجديد، بعد اتفاقها مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع للقوات المسلحة على شراء إنتاج 100 ألف فدان، بحسب ما كشفه مصدران مطلعان على ملف صناعة السكر.
ويأتي توقف التعاقدات قبل أسابيع من انطلاق موسم زراعة البنجر، في خطوة أثارت حالة من الغموض بين المزارعين بشأن خطط الموسم المقبل، في وقت اعتادت فيه الشركات إتمام الجزء الأكبر من تعاقداتها بحلول منتصف يوليو من كل عام.
وقال رئيس مجلس المحاصيل السكرية بوزارة الزراعة، مصطفى عبد الجواد، إن المساحات المزروعة الموسم الماضي تجاوزت 700 ألف فدان، وكان من المفترض أن تكون الشركات قد أتمت بالفعل نسبة كبيرة من تعاقداتها، إلا أنه "حتى اليوم لم يُبرم أي تعاقد جديد ولم تصدر أي تعليمات ببدء التعاقد"، محذرا من أن استمرار غياب التعاقدات خلق حالة من عدم اليقين بين المزارعين الذين يحتاجون إلى التخطيط المبكر لتوفير التقاوي ومستلزمات الإنتاج.
ليست البداية.. ولن تكون النهاية
لا تمثل واقعة البنجر حالة معزولة، بل هي الحلقة الأحدث في مسار تمدد متسارع يشهده جهاز مستقبل مصر منذ سنوات قليلة، حوّله تدريجيا من جهاز مخصص لاستصلاح الأراضي الصحراوية إلى لاعب مركزي يمسك بخيوط عدد متزايد من السلع الاستراتيجية التي تمس حياة المصريين اليومية مباشرة.
فبعدما أُنشئ الجهاز بقرار جمهوري عام 2022 للإشراف على مشروعات الاستصلاح الزراعي الكبرى، وعلى رأسها الدلتا الجديدة التي تستهدف زراعة نحو 4.5 مليون فدان بحلول 2027، انتقل تدريجيا إلى إدارة ملفات أكثر حساسية داخل منظومة الغذاء، حتى بات اليوم يدير استيراد وتوريد نحو 5 ملايين طن من القمح سنويا لصالح الدولة، إلى جانب نحو 780 ألف طن من زيوت الطعام.
القمح: من هيئة السلع التموينية إلى "مستقبل مصر"
يُعد ملف القمح من أبرز الأمثلة على هذا التوسع؛ فبعد أن كانت الهيئة العامة للسلع التموينية هي المسؤولة تاريخيا عن استيراد القمح عبر نظام المناقصات، انتقلت هذه الصلاحية تدريجيا إلى جهاز مستقبل مصر، الذي يعمل وفق نظام مختلف تماما قائم على الإسناد المباشر لعقود الاستيراد مع شركات بعينها، دون المرور بآلية المناقصات المعتادة.
وبحسب تقارير اقتصادية متخصصة، تعاقد الجهاز في ديسمبر 2024 على 1.267 مليون طن قمح لتغطية احتياجات البلاد حتى يونيو 2025، وسط ارتباك في تفاصيل الأسعار ومواعيد الشحن أدى في بعض الأحيان إلى تكدس عدة سفن متعاقد عليها في وقت واحد، وفرض غرامات تأخير على الجهاز.
وقد أثار هذا النمط الجديد تساؤلات داخل الأوساط البرلمانية والاقتصادية؛ إذ تقدم النائب أحمد فرغلي بطلب إحاطة إلى مجلس النواب بشأن تكلفة استيراد القمح وزيوت الطعام عبر الجهاز، متسائلا عن الفارق بين أسعار التعاقد والأسعار المرجعية في الأسواق العالمية، والذي قدّره الطلب بمليارات الجنيهات سنويا.
في المقابل، يدافع مسؤولون حكوميون عن التجربة، معتبرين أنها كسرت احتكار ما يُعرف بـ"الكارتيلات" الدولية والمحلية التي كانت تتحكم في أسعار توريد القمح لمصر لسنوات طويلة، وحققت وفرا ماليا وشفافية أكبر في التعاقدات.
الأرز: احتكار كامل لحركة الاستيراد والتصدير
توسع الجهاز أيضا في ملف الأرز، إذ بات يحتكر عمليا حركة استيراد وتصدير هذا المحصول الاستراتيجي. بما يعني أن أي مصدّر للأرز بات يحتاج إلى موافقة مركزية من الجهاز. وأن أسعار الشراء من الفلاحين باتت محكومة بقوى محدودة بدلا من آليات السوق التقليدية، وفق ما رصدته تقارير متخصصة في الشأن الاقتصادي المصري.
كما تحدثت تقارير دولية عن تعاقد الجهاز على شحنات زيوت نباتية وأكثر من 600 ألف طن قمح في سبتمبر 2025. إلى جانب خطط لإدارة بورصة سلعية جديدة تكون فيها "مستقبل مصر" الطرف المسيطر على استيراد وتصدير المنتجات الزراعية الرئيسية.
الدواجن: تدخل مباشر في السوق تحت شعار "كسر الاحتكار"
امتد النشاط أيضا إلى سوق الدواجن. ففي مواجهة ارتفاعات متكررة في أسعار الفراخ وصلت في بعض المحطات إلى نحو 137 جنيها للكيلو. اتفق كل من وزير التموين ووزير الزراعة ورئيس جهاز مستقبل مصر. على استيراد كميات كبيرة من الدواجن المجمدة لضخها في الأسواق عبر شبكة من المنافذ الثابتة والمتحركة. من بينها منافذ "سوبر توفير" التابعة للجهاز. وسيارات متنقلة انتشرت في عدد من المحافظات لبيع الدجاج المجمد بأسعار أقل من السوق بنحو الثلث.
ورغم أن مسؤولين في قطاع الدواجن أشادوا بهذا الدور باعتباره وسيلة لضبط الأسواق. ومواجهة ممارسات احتكارية من تجار القطاع الخاص. فإن منتجين ومربين حذروا في المقابل من أن التدخل الإسعافي المتكرر لا يعالج جذور الأزمة الحقيقية المتمثلة، بحسب رأيهم. في هيمنة كيانات محدودة على مدخلات الإنتاج من أعلاف وأمصال وسلالات تفريخ.
التموين والتعليم أيضا.. توسع لا يتوقف عند الزراعة
لم يتوقف تمدد الجهاز عند حدود الزراعة والسلع الغذائية. إذ وقّعت مذكرة تفاهم مطلع يونيو الماضي بين الشركة القابضة للصناعات الغذائية وجهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة. لتطوير منافذ مشروع "جمعيتي" وبدالات التموين تحت مظلة علامة تجارية موحدة. ضمن خطة تستهدف شبكة ضخمة تضم نحو 30 ألف بدال تمويني و8500 منفذ من "جمعيتي" وأكثر من ألف مجمع استهلاكي.
كما امتد النشاط إلى قطاع التعليم الفني في خطوة أثارت تساؤلات إضافية حول حدود اختصاصات الجهاز مقارنة بالوزارات المدنية التقليدية.


