الإيكونوميست": ترامب في "زقاق مسدود" بمواجهته مع إيران وسط غياب خيارات جيدة
لا خيارات جيدة أمام واشنطن
نشرت مجلة "إيكونوميست" البريطانية افتتاحية في عددها الجديد، رأت فيها أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقف أمام مأزق حقيقي في مواجهته مع إيران، ويفتقر إلى خيارات جيدة لحل الأزمة المتصاعدة في منطقة الخليج.
وأوضحت المجلة أن العرض الذي قدمته واشنطن لطهران لم يكن سيئا من الناحية الاقتصادية؛ إذ عرضت الولايات المتحدة على إيران مئات المليارات من الدولارات في صورة دخل واستثمارات لاقتصاد أنهكته العقوبات والحرب، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز والتخلي عن أي طموحات نووية.
ولفتت إلى أن حجم رد الفعل الغاضب من التيارات المتشددة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه هذا العرض يكشف أنه ما كان بمقدور أي رئيس أمريكي آخر تقديم مثل هذا التنازل.
المال وحده لا يكفي
ترى "إيكونوميست" أن المشكلة الأعمق تكمن في أن المال وحده غير كافٍ لإقناع الجانب الإيراني؛ إذ يمسك المتشددون داخل إيران بزمام القرار، ويسعون إلى مكاسب أكبر، سواء تعلق الأمر بالانتقام أو السيطرة على مضيق هرمز أو الهيمنة الإقليمية أو مواصلة البرنامج النووي.
وفي ضوء ذلك، حثت المجلة الإدارة الأمريكية على عدم التراجع أو الاستسلام لهذه الضغوط.
مذكرة تفاهم على المحك
أشارت الافتتاحية إلى أن مذكرة التفاهم المبدئية الموقعة قبل شهر، والتي منحت مهلة 60 يوما لإحلال السلام، تحولت هي نفسها إلى محل خلاف بمرور نصف هذه المدة؛ فبينما تطالب المذكرة إيران باتخاذ ترتيبات تضمن المرور الآمن والمجاني للسفن التجارية خلال هذه الفترة، تفسر طهران هذا البند على أنه اعتراف بسيطرتها على المضيق، في حين تفهمه واشنطن على أنه التزام إيراني بعدم تقييد حرية الملاحة.
وقد بدأ الطرفان بالفعل في تبادل ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة، ما دفع ناقلات النفط إلى توخي الحذر الشديد في الإبحار رغم عروض الحماية الأمريكية.
ارتفاع أسعار النفط وجمود في الملف النووي
ورغم أن هذه المواجهات، بحسب المجلة، لم تصل بعد إلى حد الانزلاق نحو حرب شاملة، فإن أسعار النفط بدأت بالفعل في الارتفاع التدريجي، فيما لم يُحرز أي تقدم يُذكر في القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها الملف النووي وجهود إيران لتخصيب اليورانيوم.
لحظة مناسبة أُهدرت؟
تشير "إيكونوميست" إلى أن الثقة بين البلدين لا تزال متزعزعة بشدة بعد عقود من العداء، لكنها تلفت إلى أن واشنطن كانت وفيّة حتى الآن بالتزاماتها بموجب مذكرة التفاهم، من خلال السماح ببيع النفط الإيراني في الأسواق الدولية.
وترى المجلة أنه لو كان هناك وقت مناسب لإرساء علاقة أكثر استقرارا بين الجانبين، فإن هذه اللحظة كانت مناسبة لذلك، مضيفة أن التيارات "المعتدلة" نسبيا داخل إيران أدركت على ما يبدو جاذبية العرض المطروح، لكن المتشددين هم من يسيطرون فعليا على مسار النقاش والقرار.
غموض حول موقف المرشد الجديد
لا يزال المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، بعيدا عن الأضواء، لكن تصريحاته التي تسربت تحمل طابعا متشددا هي الأخرى، وهو ما تفسره المجلة باحتمالين: إما أنه يمارس ضغطا مقصودا على واشنطن لانتزاع مزيد من التنازلات، أو أنه واقع فعليا تحت تأثير التيارات الراغبة في استمرار المواجهة.
ترامب بلا خطة واضحة
رصدت الافتتاحية عددا من المؤشرات على غياب استراتيجية أمريكية واضحة؛ إذ لوّح ترامب هذا الأسبوع بفرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، قبل أن يتراجع عن الفكرة بعد تحذيرات من مسؤولين أكثر حذرا داخل إدارته من حماقة هذا الخيار.
كما أطلق تهديدات بتدمير جسور ومحطات طاقة إيرانية. رغم أن مسار العودة إلى حرب شاملة لا يبدو، بحسب المجلة خيارا واعدا. فالمعارك العنيفة التي دارت في فبراير الماضي كانت من المفترض أن تُضعف النظام الإيراني. لكنها انتهت على العكس إلى تقوية شوكة المتشددين داخله.
وتلمح تصريحات ترامب أيضا إلى احتمال إرسال قوات للسيطرة على جزيرة خرج. الميناء الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، رغم أن أي قوات أمريكية هناك ستكون هدفا سهلا لصواريخ وطائرات إيران المسيرة.
لا حل مثاليا في الأفق
تخلص "إيكونوميست" إلى أن تسليم إيران ما تريده، عبر الاعتراف بسيطرتها على مياه دولية في الخليج. سيمثل كارثة في حد ذاته، إذ سيرسخ سابقة خطيرة، ويترك دول الخليج عرضة للنفوذ الإيراني. بما يتعارض مع المصالح الأمريكية المباشرة ويرسل إشارة سلبية للحلفاء حول العالم.
كما تشدد على أن البرنامج النووي الإيراني يظل خطرا حقيقيا يستوجب مراقبة صارمة من المفتشين الدوليين.
وترى المجلة أن جميع الخيارات المتاحة أمام واشنطن غير مثالية. وأنها تتطلب إظهار عزم أمريكي واضح على مواصلة الضغط عبر حصار صادرات النفط الإيرانية. حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الوقود محليا قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل.
وتعتبر أن إعادة فرض العقوبات على إيران كانت خطوة أولى في هذا الاتجاه. داعية الإدارة الأمريكية إلى مواصلة الرد على أي ضربات إيرانية لإثبات جديتها، وخالصة إلى أن ترامب. الذي تتحمل إدارته مسؤولية إشعال هذه الحرب، لم يعد أمامه رغم كل محاولاته للتراجع سوى الاستمرار في المواجهة.



