عربي ودولي

من جنازة إلى مجزرة.. حين يصبح وداع الشهداء طريقًا إلى الشهادة في غزة

لم يكن الذين خرجوا من مسجد أحمد ياسين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة يحملون سلاحًا أو يستعدون لمواجهة، كانوا يحملون نعش صديقهم الذي فقد حياته تحت القصف، ويحاولون أداء واجب الوداع الأخير.

لكن لحظات الحزن تحولت إلى مشهد أكثر قسوة، بعدما استهدفت غارة إسرائيلية موكب التشييع، ليسقط المشيعون أنفسهم ضحايا في المكان الذي جاءوا إليه لتوديع شهيد آخر.

ثمانية فلسطينيين ارتقوا، وأصيب نحو 20 آخرين، وفق ما أعلن مستشفى العودة، في واقعة أعادت إلى الواجهة صورة الحرب التي لم تعد تستهدف ساحات القتال فقط، بل امتدت إلى أكثر الأماكن ارتباطًا بالحياة الإنسانية: المنازل، الأسواق، المستشفيات، وحتى الجنائز.

جنازة تتحول إلى مجزرة

في غزة، لم تعد مراسم الوداع تعني نهاية الألم، بل أصبحت أحيانًا بداية لمأساة جديدة.

عائلة تودع فقيدها، أصدقاء يحملون صورته، أطفال يقفون وسط الحشود بحثًا عن لحظة وداع أخيرة، وأمهات يواجهن خوفًا مزدوجًا: فقدان من رحل، والخوف من فقدان من جاء ليودعه.

مشهد النصيرات يلخص واقعًا بات يتكرر منذ بداية الحرب؛ فالأماكن التي يفترض أن تكون آمنة تحولت إلى أهداف محتملة، والمناسبات الإنسانية أصبحت جزءًا من دائرة الخطر اليومي.

"ذهبوا لتشييع صديقهم الشهيد فعادوا شهداء".. هكذا اختصر ناشطون ومتابعون المأساة التي وقعت في المخيم، حيث اختلطت دموع الفراق بدماء الضحايا الجدد.

قتل المدنيين.. استمرار حرب بلا مساحة آمنة

بحسب مصادر طبية في غزة، ارتفع عدد الشهداء منذ فجر الجمعة إلى 14 فلسطينيًا جراء الغارات وإطلاق النار الإسرائيلي في مناطق مختلفة من القطاع، بينهم ضحايا استهداف موكب التشييع.

كما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن أكثر من 25 فلسطينيًا قتلوا خلال 72 ساعة، متهمًا إسرائيل بمواصلة استهداف المدنيين وارتكاب ما وصفه بـ"جريمة إبادة جماعية".

وأشار المكتب إلى أن القصف طال تجمعات مدنية وأسواقًا ومنازل ومناطق نزوح، معتبرًا أن استمرار هذه العمليات يمثل تحديًا للقوانين والأعراف الإنسانية الدولية.

وقف إطلاق النار.. اتفاق على الورق ودماء على الأرض

تأتي هذه الهجمات في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر، وفق مصادر فلسطينية.

ورغم الحديث عن التهدئة، يعيش سكان القطاع واقعًا مختلفًا؛ فالقصف لم يتوقف بالكامل، والنازحون لا يزالون يواجهون خطر الاستهداف في أماكن يفترض أنها ملاذات مؤقتة.

ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة. أسفرت الخروقات منذ بدء سريان الاتفاق عن مقتل أكثر من ألف فلسطيني وإصابة آلاف آخرين.

غزة.. يوميات الموت المؤجل

وراء كل رقم قصة إنسانية لا تظهر في البيانات.

هناك أب خرج ليحمل نعش قريبه فعاد محمولًا على الأكتاف، وأم تنتظر عودة ابنها من جنازة صديقه فلا يعود. وطفل فقد شخصًا جديدًا في قائمة طويلة من الغائبين.

في غزة، لم تعد المأساة مرتبطة بلحظة القصف فقط، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. البحث عن الطعام، انتظار العلاج، محاولة الوصول إلى مكان آمن، ثم اكتشاف أن الأمان نفسه أصبح مفقودًا.

استهداف الجنازات.. انتهاك يتجاوز حدود الحرب

استهداف تجمعات المدنيين خلال مراسم تشييع الموتى يحمل بعدًا إنسانيًا وقانونيًا بالغ الخطورة. لأن الجنازات تمثل لحظة وداع وطقسًا اجتماعيًا ودينيًا يفترض أن يحظى بالحماية.

ويرى حقوقيون أن ضرب تجمعات مدنية، إذا ثبت تعمد استهدافها. يثير تساؤلات حول الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب التي تعد من القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني.

بين صمت العالم واستمرار النزيف

مع كل غارة جديدة، تتكرر الأسئلة حول قدرة المجتمع الدولي على وقف نزيف الدماء في غزة، في ظل استمرار سقوط الضحايا المدنيين.

فالمشهد في النصيرات لم يكن مجرد حادث عسكري جديد، بل صورة مكثفة لحرب فقد فيها المدنيون حتى حقهم في الحزن بأمان.

في غزة، لم يعد السؤال فقط: من سيبقى على قيد الحياة؟
بل أصبح: هل سيحصل الأحياء على فرصة لدفن موتاهم دون أن يتحولوا هم أنفسهم إلى ضحايا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى