الحكومة تقترض لسداد العجز.. هل تحولت أذون الخزانة إلى "إدمان" يهدد اقتصاد مصر؟

طرح البنك المركزي المصري، نيابة عن وزارة المالية، أذون خزانة بقيمة إجمالية تبلغ 110 مليارات جنيه، في خطوة تستهدف توفير التمويل اللازم لعجز الموازنة والاحتياجات المالية الحكومية.

وتوزعت قيمة الطرح بين 40 مليار جنيه لأجل 91 يومًا، و70 مليار جنيه لأجل 273 يومًا، فيما تأتي هذه الخطوة في وقت تُبقي فيه الحكومة على اعتماد واسع على أدوات الدين قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها، وسط استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض.

وبحسب بيانات حديثة، توسعت الحكومة المصرية بصورة كبيرة في الاعتماد على أذون الخزانة، حتى أصبحت تمثل نسبة كبيرة من هيكل الدين المحلي.

وبلغ رصيد أذون الخزانة نحو 5.82 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025، بما يعادل أكثر من نصف إجمالي الدين العام المحلي المتداول، وفق تحليل نشره الكاتب الاقتصادي عبد الفتاح الجبالي.

أموال سريعة لسد العجز.. لكن ماذا بعد؟

وتوفر أذون الخزانة للحكومة وسيلة سريعة للحصول على السيولة اللازمة لتمويل عجز الموازنة وسداد الالتزامات المستحقة.

غير أن طبيعتها قصيرة الأجل تعني أن الدولة مطالبة بإعادة سداد أصل الدين خلال فترة زمنية محدودة، فضلًا عن تحمل تكلفة العائد.

وبذلك، فإن طرح أذون جديدة قد لا يعني بالضرورة دخول أموال جديدة إلى الاقتصاد، إذ يمكن أن تذهب الحصيلة في جانب كبير منها إلى إعادة تمويل ديون سابقة أو تغطية عجز قائم.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تستخدم مصر أذون الخزانة كأداة مؤقتة لإدارة السيولة، أم تحولت إلى آلية مستمرة لإعادة تدوير الديون؟

هاني توفيق: إدمان أذون الخزانة أدى إلى تراكم الديون

حذر الخبير الاقتصادي والمصرفي هاني توفيق من التوسع في استخدام أذون الخزانة لسد عجز الموازنة، معتبرًا أن استمرار الاعتماد عليها بصورة متزايدة يؤدي إلى تراكم الدين العام المحلي والخارجي.

وقال توفيق، في تصريحات نقلتها «بوابة الأهرام»، إن أذون الخزانة هي أدوات تمويل قصيرة الأجل تلجأ إليها الدولة إلى حين تحقق الإيرادات اللازمة للسداد، لكنه حذر من أن «إدمان الدولة لإصدار أذون الخزانة قصيرة الأجل لسد عجز الموازنة» أدى إلى تراكم الديون.

وتكشف هذه الرؤية عن جوهر المشكلة؛ فالأداة نفسها ليست بالضرورة أزمة، لكن الخطر يكمن في استخدامها بصورة متكررة لتمويل العجز بدلًا من معالجة الأسباب التي تؤدي إلى استمرار العجز.

فاتورة الفوائد تلتهم جانبًا متزايدًا من الموازنة

ولا يقتصر عبء أذون الخزانة على قيمة الدين نفسه، بل يمتد إلى تكلفة الفوائد التي يتعين على الدولة سدادها للمقرضين.

ويرى الخبير المصرفي عز الدين حسنين أن فاتورة فوائد الدين العام المحلي تقترب من 2.5 تريليون جنيه سنويًا. مشيرًا إلى أن البنوك تعد من أكبر الدائنين للحكومة، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على مواصلة الاقتراض بنفس الوتيرة دون أن تتزايد الضغوط على الموازنة.

ويعني ذلك عمليًا أن جزءًا كبيرًا من الموارد العامة يذهب إلى خدمة الدين بدلًا من توجيهه إلى الإنفاق التنموي أو تحسين الخدمات العامة.

خطر آخر: مزاحمة القطاع الخاص

ويحذر منتقدو التوسع في الاقتراض الحكومي المحلي من أن اعتماد الدولة المتزايد على البنوك لتمويل عجزها قد يؤدي إلى ما يعرف اقتصاديًا بـمزاحمة القطاع الخاص.

فعندما تقدم الحكومة عوائد مرتفعة للمستثمرين مقابل شراء أدوات الدين. تصبح أذون الخزانة خيارًا جذابًا للبنوك والمؤسسات المالية مقارنة بإقراض الشركات والمصانع، خصوصًا في ظل ارتفاع المخاطر الاقتصادية.

وقد يؤدي ذلك إلى توجيه جزء أكبر من السيولة المتاحة نحو تمويل الحكومة بدلًا من تمويل الاستثمار والإنتاج. وهو ما يضعف قدرة القطاع الخاص على التوسع وخلق فرص العمل.

أسعار فائدة مرتفعة تزيد تكلفة الاقتراض

ويأتي طرح أذون الخزانة الجديدة في ظل استمرار أسعار الفائدة الأساسية عند مستويات مرتفعة. بعدما قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري في اجتماعها الأخير الإبقاء على سعر عائد الإيداع عند 19%. والإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%.

وتعني الفائدة المرتفعة أن الحكومة تدفع تكلفة أكبر مقابل الاقتراض. خصوصًا مع اعتمادها المتزايد على أدوات قصيرة الأجل تحتاج إلى إعادة إصدارها بصورة متكررة.

هل تنقذ أذون الخزانة الاقتصاد المصري؟

الإجابة، وفق المعطيات الاقتصادية، تبدو مزدوجة.

فمن ناحية، تمثل أذون الخزانة أداة ضرورية لإدارة السيولة وتمويل العجز قصير الأجل. وتساعد الحكومة على الوفاء بالتزاماتها وتجنب اضطرابات مالية فورية.

لكن من ناحية أخرى، فإن استمرار الاعتماد عليها لسد عجز مزمن، مع ارتفاع تكلفة الفوائد وقصر آجال الاستحقاق. قد يحولها من أداة لإدارة الدين إلى جزء من مشكلة الدين نفسها.

وتشير البيانات إلى أن المشكلة لا تكمن في طرح بقيمة 110 مليارات جنيه في حد ذاته، وإنما في السؤال الأكبر. هل تستطيع الحكومة تحقيق إيرادات ونمو اقتصادي كافيين لسداد الديون دون الحاجة إلى الاقتراض مجددًا؟

فإذا كانت الإصدارات الجديدة تمول استثمارات منتجة قادرة على توليد إيرادات مستقبلية، فقد تتحول إلى وسيلة لتمويل النمو.

أما إذا كانت تستخدم بصورة أساسية لسداد ديون سابقة وتمويل عجز الموازنة، فإنها تصبح جزءًا من دائرة «الاقتراض لسداد الاقتراض».

اقرأ أيضا

رغم أزمة الدين الخارجي.. الحكومة تقترض المزيد لتمويل مشروع مترو بمليارات الدولارات

Exit mobile version