أعاد اجتماع عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، في مدينة العلمين، ملف تطوير التعليم إلى صدارة النقاش العام، بعدما استعرضت الحكومة خططًا للتوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية، وتعزيز التعاون مع ألمانيا وإيطاليا واليابان، والاستفادة من خبرات مؤسسات دولية في تطوير المناهج وتدريب المعلمين.
وبحسب ما أعلنته الرئاسة المصرية، يستهدف التعاون الجديد التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية، وإنشاء عشرات المدارس الفنية المصرية الألمانية، إلى جانب تطوير مناهج البكالوريا المصرية، وتعزيز تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي والثقافة المالية.
لكن هذا الاهتمام الرسمي بالتعليم يفتح في الوقت نفسه بابًا واسعًا للنقاش حول تطور خطاب السيسي تجاه هذا القطاع، خصوصًا في ظل تصريحات سابقة له قال فيها: «يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟».
من «وطن ضايع» إلى تطوير التعليم بالشراكات الدولية
ففي الوقت الذي تؤكد فيه الرئاسة اليوم أن التعليم يمثل أحد المحاور الرئيسية لبناء الدولة وتحقيق التنمية، وتعلن عن شراكات مع مؤسسات وجامعات دولية، يتذكر منتقدون الخطاب الذي ربط أولوية التعليم بحالة الدولة الاقتصادية والسياسية.
ويرى هؤلاء أن السؤال الذي تطرحه تلك التصريحات هو: إذا كان التعليم لا يمكن أن يؤدي دوره في «وطن ضائع»، فهل أصبح تطوير التعليم اليوم دليلًا على أن الدولة تجاوزت أزماتها الأساسية؟ أم أن التعليم كان ينبغي أن يكون في مقدمة أدوات إنقاذ الدولة من أزماتها وليس ملفًا مؤجلًا إلى حين تحسن الأوضاع؟
مدارس جديدة وتعاون دولي واسع
وخلال الاجتماع، استعرض وزير التربية والتعليم خطط التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية، التي تعتمد على ربط الدراسة باحتياجات سوق العمل، إلى جانب التعاون مع إيطاليا لإنشاء 100 مدرسة تكنولوجيا تطبيقية في تخصصات مختلفة.
كما استعرض نتائج التعاون مع الجانب الألماني لتطوير المدارس الفنية المصرية الألمانية، مع الاتجاه إلى إنشاء وتشغيل 38 مدرسة فنية جديدة، ومنح خريجين شهادات معتمدة من ألمانيا.
وتشمل خطة التطوير كذلك التعاون مع جامعة هيروشيما اليابانية في تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي والثقافة المالية، إلى جانب تعاون مرتقب مع جامعة هارفارد في مجال تدريب المعلمين.
وتعكس هذه الخطط تحولًا واضحًا في الخطاب الرسمي نحو ربط التعليم بالتكنولوجيا والمهارات وسوق العمل. بدلًا من الاقتصار على التعليم النظري التقليدي.
السؤال الأصعب: لماذا تأخر الإصلاح؟
غير أن التحدي لا يتعلق فقط بإعلان إنشاء مدارس جديدة أو توقيع اتفاقيات دولية. بل بقدرة الدولة على تحويل هذه الخطط إلى إصلاح شامل ومستدام لمنظومة التعليم.
فالتعليم المصري لا يواجه مشكلة في نقص المبادرات والمشروعات فقط. وإنما يعاني أيضًا من أزمات متراكمة تتعلق بكثافة الفصول، وأوضاع المعلمين. وتفاوت جودة التعليم بين المدارس، وارتفاع تكلفة التعليم الخاص والدروس الخصوصية، فضلًا عن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن أن تنجح الشراكات الدولية في إصلاح منظومة تعليمية تعاني من مشكلات أعمق من المناهج والتكنولوجيا؟
«التعليم في وطن ضائع».. هل تغيرت الأولويات؟
يرى منتقدو السلطة أن التناقض لا يكمن بالضرورة في تطوير التعليم أو التعاون مع مؤسسات دولية. وإنما في ترتيب الأولويات والخطاب السياسي.
فإذا كان التعليم، وفق التصريحات السابقة، لا يستطيع وحده إصلاح «وطن ضائع». فإن الرد المقابل هو أن الدول لا تخرج من أزماتها من خلال تأجيل التعليم. بل عبر الاستثمار في الإنسان باعتباره الأداة الأساسية لأي إصلاح اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي.
وبالتالي، فإن تطوير التعليم لا ينبغي أن يكون نتيجة لتحسن أوضاع الدولة. بل أحد الأسباب التي تساعد على تحسين تلك الأوضاع.
ومن هذا المنظور، تبدو عبارة «يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟» محل جدل. لأن التعليم قد لا يكون كافيًا وحده لإنقاذ دولة تعاني أزمات متعددة. لكنه يظل أحد أهم الأدوات التي يمكن من خلالها بناء دولة أكثر قدرة على مواجهة أزماتها.
اقرأ أيضا
