من دنقلا إلى وادي حلفا.. هل يعني انحسار النيل في السودان أن مصر التالية؟

بعد أن بدأت الظاهرة في محلية دنقلا بالولاية الشمالية منتصف الشهر الماضي، امتد انحسار مياه النيل شمالا إلى وادي حلفا القريبة من الحدود المصرية، في تطور يحول القلق من أزمة سودانية داخلية إلى سؤال إقليمي مباشر: هل تشهد مصر مشهدا مشابها للجزر الرملية وانكشاف قيعان النهر التي وثّقتها كاميرات المواطنين في الخرطوم ونهر النيل الأسبوع الماضي؟

الأرقام الرسمية.. نقص يتجاوز 76 مليون متر مكعب يوميا

تعود جذور الأزمة إلى بيان رسمي أصدرته الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري السودانية في 17 يوليو الماضي، أوضحت فيه رصد انخفاض مؤقت في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص من 207 إلى 129 مليون متر مكعب يوميا، بنقص بلغ 76 مليون متر مكعب خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو.

هذا الانخفاض انعكس مباشرة على التصريف خلف خزان الروصيرص بمقدار 100 مليون متر مكعب يوميا، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون مترا مكعبا، ما تسبب في هبوط ملموس بمناسيب النيل في محطات رئيسية عدة، من الروصيرص إلى الخرطوم وصولا إلى شندي.

السبب المعلن.. تراجع تصريف سد النهضة خلال فترة محددة

عزت وزارة الري السودانية هذا الانخفاض المؤقت بشكل مباشر إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة انخفاض تصريف سد النهضة الإثيوبي خلال الفترة ذاتها، موضحة أن انحسار وفيضان مياه النيل ظاهرتان طبيعيتان من حيث المبدأ، لكن تشييد السد الإثيوبي أدى إلى تغيير جوهري في هيدرولوجيا النهر ونمط تدفقاته المعتاد.

وزير الري السوداني الأسبق الدكتور عثمان التوم أوضح أن إثيوبيا تدخل خلال هذه الفترة في مرحلة حجز كميات من المياه لصالح خزانها، بينما تقتصر عمليات التصريف على ما يكفي فقط لتشغيل عدد محدود من التوربينات، بالتزامن مع بدء ملء بحيرة خزان جبل أولياء جنوب الخرطوم.

مزارعو دنقلا.. خسائر فعلية لا مخاوف نظرية

لم تبق الأزمة حبيسة الأرقام الرسمية والتحليلات الفنية، إذ أكد مزارعون في دنقلا أن الانحسار تسبب في خسائر فادحة فعلية، مع تعذر ري مساحات زراعية واسعة باستخدام مضخات الديزل التقليدية بعدما ابتعدت المياه عن نقاط السحب المعتادة، مطالبين وزارة الري بالتدخل العاجل.

هذه الشهادات الميدانية تحول الأزمة من نقاش هيدرولوجي مجرد إلى واقع معيشي مباشر يمس الأمن الغذائي لمجتمعات زراعية بأكملها تعتمد على النهر كمصدر ري وحيد تقريبا.

مصر.. بين تطمين رسمي وتحذير من "جهاز الإنذار المبكر"

هنا يبرز الانقسام الأوضح في تقييم الخطر على مصر تحديدا. فبحسب مصادر مصرية مطلعة على إدارة الموارد المائية، فإن نظام إدارة مياه النيل في مصر يبدأ من السد العالي وتحديدا بحيرة ناصر. التي تُوصف بأنها "البنك المائي" لمصر. حيث تلجأ الدولة للسحب من هذا المخزون الاستراتيجي في أوقات انخفاض الوارد المائي. إلى حين استئناف تدفقات طبيعية من بحيرة سد النهضة عند إعادة فتحها لتوليد الكهرباء. بما يعني عمليا -وفق هذا الطرح- أن مصر "لن تشهد ما حدث في السودان من انحسار" بالصورة المباشرة ذاتها.

في المقابل، يحذر الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة. من أن الأزمة الراهنة تعود مباشرة إلى آلية التشغيل الأحادية التي تفرضها إثيوبيا دون تنسيق ملزم مع دولتي المصب. معتبرا أن عواقب هذا النمط تتجلى بوضوح الآن مع دخول ما وصفه بـ"السنوات العجاف".

تحليلات أخرى تذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن السودان يمثل عمليا "جهاز الإنذار المبكر لمصر". وأن ما يظهر اليوم في مناطق مثل بحري والبجراوية وعبري قد يصل أثره لاحقا إلى بحيرة ناصر نفسها. خاصة إذا تزامن الحجز الإثيوبي المستقبلي مع موسم أمطار ضعيف نسبيا لا يعوض النقص بالسرعة الكافية.

اقرأ أيضا

بعد أيام من هجوم المسيّرة.. السيسي يتابع تطوير ميناء دمياط دون ذكر الحادث

Exit mobile version