قناة السويس الجديدة.. من حلم المليارات إلى سؤال العقد: ماذا جنى المصريون من المشروع؟
تمر ذكرى افتتاح تفريعة قناة السويس الجديدة، التي دشنها عبد الفتاح السيسي في أغسطس 2015، وسط استمرار الجدل حول الجدوى الاقتصادية للمشروع، وما إذا كان نجح في تحقيق الأهداف التي أعلنتها الدولة عند إطلاقه، أم أن تكلفته مثلت عبئًا إضافيًا على الاقتصاد المصري في ظل أزمات الدين والتضخم وتراجع قيمة العملة.
كان المشروع، الذي بلغت تكلفة تنفيذه وفق بيانات معلنة آنذاك نحو 8 مليارات دولار تقريبًا، أحد أبرز المشروعات القومية التي طرحتها السلطة المصرية بعد عام 2013، وحظي بحملة ترويج واسعة باعتباره خطوة ستعيد رسم خريطة التجارة العالمية وتعزز إيرادات قناة السويس.
"رفع الروح المعنوية" وتمويل من جيوب المصريين
خلال الترويج للمشروع، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الهدف لم يكن اقتصاديًا فقط، وإنما أيضًا رفع الروح المعنوية للمصريين، مشيرًا إلى أن الدولة جمعت مليارات الجنيهات من المواطنين عبر شهادات استثمار لتمويل عملية الحفر.
وفي ذلك الوقت، قال الفريق مهاب مميش، رئيس هيئة قناة السويس آنذاك، إن مشروع تنمية محور القناة بعد افتتاح التفريعة يمكن أن يحقق عوائد تصل إلى أكثر من 100 مليار دولار سنويًا، من خلال تطوير المنطقة الاقتصادية والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالممر الملاحي.
لكن هذه التوقعات الضخمة أصبحت لاحقًا محور نقاش واسع بين مؤيدين رأوا أن المشروع يمثل استثمارًا طويل الأجل، ومنتقدين اعتبروا أن الوعود بالعوائد لم تتحقق بالصورة التي رُوج لها.
ماذا تحقق اقتصاديًا؟
تؤكد الحكومة أن قناة السويس الجديدة ساهمت في رفع كفاءة الممر الملاحي، وزيادة قدرته على استقبال السفن العملاقة، وتقليل زمن الانتظار، إلى جانب دعم خطط تنمية منطقة القناة.
في المقابل، يشير منتقدون إلى أن العائد المباشر للتفريعة لم يتطابق مع التوقعات التي سبقت افتتاحها، خاصة أن إيرادات القناة تأثرت لاحقًا بعوامل خارجية مثل تباطؤ التجارة العالمية، وجائحة كورونا، ثم اضطرابات البحر الأحمر.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن إيرادات القناة بعد سنوات من افتتاح المشروع لم ترتفع بالمعدلات التي توقعتها الدعاية الرسمية، بل شهدت فترات تراجع مقارنة ببعض السنوات السابقة.
انتقادات اقتصادية: المشكلة في غياب دراسة الجدوى
ومن بين الأصوات المنتقدة للمشروع، رجل الأعمال والمصرفي حسن هيكل، الذي انتقد في عام 2015 غياب الدراسات التفصيلية المنشورة حول التكلفة والعائد الاقتصادي للمشروع، مؤكدًا أنه كان يتمنى نجاحه باعتباره "ملكًا للبلد"، لكنه طالب بوجود بيانات واضحة حول الجدوى الاقتصادية.
وقال هيكل في تصريحات نقلتها وسائل إعلام آنذاك إن النقاش الأساسي لا يتعلق برفض المشروع. وإنما بضرورة وجود دراسة واضحة توضح حجم الاستثمارات والعوائد المتوقعة.
كما انتقد اقتصاديون آخرون فكرة ضخ مليارات الدولارات في مشروع توسعة ممر ملاحي قائم بالفعل. معتبرين أن الأولوية كان يمكن أن تكون لمشروعات إنتاجية توفر فرص عمل وتزيد موارد النقد الأجنبي.
رؤية سياسية مختلفة: الرمز قبل الاقتصاد
في المقابل، لم يقتصر الدفاع عن المشروع على مؤيدي الحكومة فقط. إذ اعتبر المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي أن مشروع توسيع قناة السويس يحمل قيمة رمزية ووطنية. لكنه شدد لاحقًا على أن العائد الاقتصادي الحقيقي لا يكمن فقط في توسعة المجرى الملاحي. وإنما في تحويل المنطقة المحيطة بالقناة إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي.
وقال صباحي إن تنمية محور القناة كمنطقة اقتصادية متكاملة هي العنصر الأهم لتحقيق عائد حقيقي. عبر جذب الصناعات والخدمات وخلق فرص عمل.
هل دفع المصريون ثمن المشروع؟
أحد أبرز محاور الجدل حول قناة السويس الجديدة يرتبط بطريقة التمويل. إذ اعتمدت الدولة على شهادات استثمار طرحها البنك المركزي للمواطنين، ما جعل قطاعًا واسعًا من المصريين يشارك في تمويل المشروع.
ويرى منتقدون أن تكلفة التمويل والعوائد المنتظرة لم تكن متوازنة. خاصة في ظل تراجع قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم خلال السنوات التالية. معتبرين أن المواطنين تحملوا جزءًا من تكلفة مشروع لم يشعروا بعوائده بصورة مباشرة.
بينما ترى الحكومة أن المشروعات القومية لا تقاس فقط بالعائد الفوري. وأن تطوير البنية التحتية ورفع قدرة قناة السويس يمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى.



