بين 18 و23 مليار دولار.. كيف تنعكس فاتورة الطاقة المرتفعة على مائدة المصريين؟
حين يضع بنك استثماري عالمي بحجم مورغان ستانلي ثلاثة سيناريوهات لعجز تجارة الطاقة المصرية، فإن الفارق بين أفضلها وأسوأها -خمسة مليارات دولار كاملة- ليس مجرد رقم في تقرير مالي، بل مؤشر مباشر على حجم الضغط المحتمل على سعر الدولار، وبالتبعية على كل سلعة مستوردة يشتريها المواطن المصري يوميا.
فكلما اتسعت هذه الفجوة، ازدادت حاجة الدولة للعملة الصعبة، وهو ما ينعكس تاريخيا إما على سعر الصرف أو على معدلات التضخم أو على الاثنين معا.
ثلاثة مسارات محتملة.. والفيصل هو هرمز والنفط معا
يربط مورغان ستانلي حجم عجز الطاقة المتوقع لمصر خلال السنة المالية المنتهية في يونيو المقبل بمتغيرين مترابطين: مسار أسعار النفط العالمية، ومصير التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
ففي السيناريو الأكثر تفاؤلا، الذي يفترض تراجع أسعار النفط وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وعودة الإنتاج الإقليمي لمستوياته الطبيعية، يمكن أن يتراجع عجز الطاقة إلى نحو 18 مليار دولار فقط. أما السيناريو الأساسي، الأقرب لتوقعات البنك حاليا، فيضع العجز عند 20 مليار دولار مع استمرار ارتفاع نسبي في تكلفة الواردات.
بينما يفترض السيناريو الثالث الأكثر تشاؤما استمرار "علاوة المخاطر" على أسعار النفط لفترة أطول، ما قد يرفع العجز إلى 23 مليار دولار، ويدفع عجز الحساب الجاري ككل إلى 17 مليار دولار.
مضيق هرمز.. المتغير الذي يتجاوز حدود التحليل المالي البحت
يكتسب هذا التوقع أهمية خاصة حين يُقرأ في ضوء التصعيد الفعلي القائم حاليا في مضيق هرمز، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة ضربات أمريكية متتالية على إيران وردودا إيرانية استهدفت قواعد أمريكية في الكويت والبحرين، مع توقف شبه كامل لحركة الملاحة في المضيق في بعض الأيام.
هذا يعني أن السيناريو "المتفائل" الذي وضعه مورغان ستانلي -والذي يفترض إعادة فتح المضيق بشكل طبيعي- يبدو حاليا الأبعد تحققا من بين السيناريوهات الثلاثة، بينما يقترب الواقع الميداني أكثر من فرضيات السيناريو الأساسي أو حتى الضاغط، وهو ما يعني عمليا أن مصر قد تكون مقبلة على تحمل الشريحة الأعلى من فاتورة الطاقة المتوقعة، لا الأدنى.
من فاتورة الاستيراد إلى سعر الدولار.. كيف تنتقل الأزمة لجيب المواطن؟
يوضح التقرير أن ارتفاع أسعار النفط يمثل "الخطر الرئيسي" على الوضع الخارجي لمصر، إذ تؤدي زيادة تكلفة الطاقة مباشرة إلى توسيع فاتورة الواردات ورفع احتياجات التمويل الخارجي.
هذه المعادلة تنتقل لحياة المواطن عبر مسار واضح: فمصر، بصفتها دولة مستوردة صافية للطاقة. تحتاج كميات أكبر من الدولار لتغطية فاتورة الوقود المستورد كلما ارتفعت الأسعار عالميا أو زادت تكلفة الشحن والتأمين بسبب المخاطر الجيوسياسية.
وأي ضغط إضافي على احتياطي الدولار يهدد بدوره استقرار سعر الصرف الذي حققه الجنيه مؤخرا. وهو الاستقرار الذي أشرنا إليه سابقا كعامل ساهم فعليا في تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية. لكنه يبقى هشا أمام أي صدمة خارجية بحجم أزمة طاقة ممتدة.
تحويلات المغتربين.. طوق نجاة لا حل جذري
يشير التقرير إلى أن قوة تحويلات المصريين العاملين بالخارج تساعد في "امتصاص جزء من هذه الصدمة". وهو ما يتسق مع ما تناولناه في تقارير سابقة حول تصاعد الأدوات الحكومية الموجهة لجذب مدخرات المغتربين. من وثائق التأمين بالدولار إلى الصناديق الاستثمارية الجديدة.
لكن الاعتماد على هذا المصدر تحديدا لتعويض عجز طاقة قد يصل إلى 23 مليار دولار في السيناريو الأسوأ يكشف حدود هذا الحل. فتحويلات المغتربين، مهما بلغت ضخامتها القياسية. تبقى مصدرا تعويضيا لا بديلا حقيقيا عن معالجة جذر المشكلة المتمثل في اعتماد مصر شبه الكامل على استيراد الطاقة من الخارج.
الانعكاس المباشر على القوة الشرائية.. حلقة مألوفة يخشاها المواطن
يخشى الاقتصاديون أن يتكرر نمط سبق أن شهدته مصر مرارا. ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة يدفع الحكومة إما لرفع أسعار الوقود محليا بشكل مباشر عبر آلية التسعير التلقائي. أو للضغط على سعر الصرف بما يرفع تكلفة كل سلعة مستوردة أخرى من غذاء ودواء ومدخلات إنتاج.
وكلا المسارين ينتهيان لنتيجة واحدة يشعر بها المواطن مباشرة في محفظته: ارتفاع الأسعار العامة وتآكل القوة الشرائية للجنيه. في وقت أظهرت فيه توقعات صندوق النقد الدولي نفسها أن التضخم قد يرتفع إلى 16.7% خلال النصف الثاني من العام المالي الحالي جزئيا بسبب عوامل الطاقة ذاتها. قبل أن يبدأ مسارا تدريجيا للتراجع لا يكتمل فعليا إلا بعد سنوات عدة سيناريو متوسط الأرجح.. لكن بلا ضمانات.



