لم تكن مبالغة حين وصفت مقاطع الفيديو المتداولة ما جرى في حفل محمد رمضان بمنطقة بورتو مارينا بـ"المشهد الصادم".
فبين الهتافات والأغاني، ارتفعت صرخات استغاثة حقيقية من فتيات حاولن الفرار من تكدس تحول إلى مصيدة، ووثّقت الكاميرات مشاهد تحرش صريحة وسط الحشود، في واقعة تكشف مجددا هشاشة منظومة تأمين الحفلات الجماهيرية الكبرى في مصر، وتستحق إدانة واضحة لا تبريرات ملطّفة.
من الحماس إلى الصراخ.. كيف انقلب المشهد؟
بدأ الحفل، الذي أحياه محمد رمضان مساء الجمعة على مسرح جولف بورتو مارينا ضمن موسم الحفلات الصيفية، بأجواء احتفالية معتادة وسط حضور جماهيري كثيف.
لكن هذا الحماس الجماعي سرعان ما انقلب إلى حالة ارتباك حقيقي في منطقة الجمهور، حين بدأت فتيات يحاولن شق طريقهن للخروج من بين الحشود وسط صراخ وبكاء واستغاثات موثقة بالصوت والصورة.
مقاطع الفيديو التي انتشرت لاحقا لم تقتصر على توثيق التدافع والتكدس فقط، بل أظهرت أيضا وقائع تحرش ومضايقات مباشرة تعرضت لها فتيات داخل الحشد، في مشهد لا يمكن التعامل معه كـ"سوء تنظيم عابر"، بل كاعتداء صريح يستوجب مساءلة قانونية واضحة لمرتكبيه، لا الاكتفاء بوصفه جزءا من "فوضى عامة".
الفنان يوقف الحفل.. اعتراف ضمني بخطورة الموقف
اضطر محمد رمضان لإيقاف فقرات حفله مؤقتا ومطالبة أفراد الأمن بالتدخل الفوري لاحتواء الموقف وحماية الحاضرين، قبل أن يُستأنف الحفل بعد السيطرة على حالة الفوضى.
توقف الحفل نفسه، من فنان في ذروة أدائه أمام آلاف الحضور، يمثل مؤشرا دامغا على حجم الخطورة الفعلية للموقف، إذ لا يُقدم فنان على وقف عرضه الجماهيري إلا حين يدرك أن استمرار الحفل يهدد سلامة جمهوره بشكل مباشر لا يحتمل التأجيل حتى نهاية الأغنية.
غياب البيان الرسمي.. صمت يثير القلق لا الاطمئنان
حتى لحظة تداول هذه الوقائع إعلاميا، لم تصدر أي جهة رسمية -سواء الجهة المنظمة للحفل أو الجهات الأمنية المعنية- بيانا يحدد بدقة عدد حالات التحرش الموثقة، أو الإجراءات القانونية المتخذة بحق المتورطين فيها، أو حتى عدد الإصابات الناتجة عن التدافع.
هذا الغياب، في واقعة بهذا الوضوح البصري عبر عشرات مقاطع الفيديو المتداولة، ليس تفصيلا بسيطا يمكن تجاوزه. بل يمثل تقصيرا إضافيا يُضاف إلى فشل التأمين الميداني نفسه: فحين تكتفي الجهات المسؤولة بالصمت بدل التحقيق العلني والمحاسبة الواضحة. فإنها ترسل رسالة ضمنية مفادها أن مثل هذه الوقائع "تمر" دون عواقب حقيقية. وهو ما يشجع على تكرارها في حفلات مقبلة.
ليست حادثة معزولة.. نمط متكرر يستدعي مراجعة جذرية
لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن سلسلة حوادث سابقة طالت حفلات جماهيرية كبرى في مصر خلال السنوات الأخيرة. من حوادث تدافع وتكدس إلى وقائع تحرش جماعي موثقة في مناسبات عامة مختلفة.
هذا التكرار يكشف أن المشكلة ليست في فعالية بعينها أو منظم واحد مقصر. بل في غياب معايير إلزامية وموحدة لإدارة الحشود الكبرى: من حساب دقيق لسعة المكان مقارنة بعدد التذاكر المباعة. إلى انتشار كافٍ لأفراد أمن مدربين تحديدا على رصد حالات التحرش والتدخل الفوري لا الاكتفاء بالتصدي للتدافع الجسدي فقط، إلى تجهيز مخارج طوارئ واضحة يسهل الوصول إليها وقت الأزمة.
رسالة الفنان.. خطوة إيجابية لكنها لا تغني عن مسؤولية التنظيم
عقب الحفل، وجّه محمد رمضان رسالة لجمهوره دعا فيها الشباب للحفاظ على سلامة الفتيات. قائلا إنه يرجو من "كل شاب مصري جدع" أن يعتبر "كل بنت أمانة في رقبته" حتى في غياب أصدقائه.
هذه الرسالة، وإن كانت تحمل نية طيبة وتستحق الإشادة كموقف أخلاقي من الفنان تجاه جمهوره. لا يمكن أن تكون بديلا عن مساءلة فعلية للجهة المنظمة للحفل وشركة الأمن المسؤولة عن التأمين.



