الإسكندرية تنتظر كورنيش نظيف.. والساحل الشمالي يعيش في عالم آخر
حين يطالب الإعلام بإزالة الإشغالات عن كورنيش الإسكندرية وتحسين النظافة والقضاء على "النباشين"، فإنه لا يتحدث عن مجرد مدينة ساحلية بين مدن أخرى، بل عن الوجهة الصيفية التي يقصدها ملايين المصريين من محدودي ومتوسطي الدخل كل عام، بديلا شبه وحيد عن مصايف أخرى باتت بأسعارها خارج متناول الغالبية.
هذا الاهتمام الإعلامي المتكرر بالإسكندرية تحديدا -لا بالساحل الشمالي مثلا- يعكس في جوهره انحيازا طبيعيا نحو المكان الذي يرتاده "الناس العاديون"، في وقت تتصاعد فيه أصوات تسأل عن حجم الفجوة بين مصيف يُطالب إعلاميا بتحسين خدماته الأساسية، وآخر يحظى أصلا بمنتجعات فاخرة وحفلات بتذاكر بآلاف الجنيهات.
مطالب الإسكندرية.. أساسيات لا رفاهيات
حصر الإعلامي أحمد سالم مطالب السكندريين في أمور تندرج تحت بند "الحد الأدنى" من الخدمة العامة: كورنيش مفتوح بلا إشغالات تحجب رؤية البحر، ومستوى نظافة لائق، والقضاء على ظاهرة "النباشين" التي تشوه صورة المدينة.
هذه المطالب، رغم بساطتها الظاهرية، تكشف بذاتها حجم الفجوة الخدمية: فبينما يناضل كورنيش الإسكندرية -المتاح مجانا لعموم المواطنين- من أجل النظافة الأساسية وإزالة الكافتيريات التي تحجب البحر عن المارة، تتنافس منتجعات الساحل الشمالي على استضافة حفلات غنائية بأسعار تذاكر تتجاوز رواتب شهرية كاملة لكثير من الأسر المصرية، كما شهدنا مؤخرا في الجدل حول أزمة التكدس بحفل محمد رمضان في بورتو غولف العلمين.
شواطئ مقسمة رسميا بحسب الطبقة الاجتماعية
ليست الفجوة انطباعا إعلاميا مجردا، بل واقعا مؤسسيا موثقا: فبحسب تصريحات سابقة لمسؤولين بمحافظة الإسكندرية، تُقسّم شواطئ المدينة رسميا إلى فئات، من بينها خمسة شواطئ مجانية بالكامل تخدم محدودي الدخل، مقابل شواطئ أخرى بأسعار دخول رمزية لا تتجاوز بضعة جنيهات.
هذا النموذج يتكرر في مصايف أخرى مثل بلطيم بمحافظة كفر الشيخ. التي تُعرف تحديدا بأنها "مصيف العائلات" ذات الدخل المحدود والمتوسط، بإيجارات شقق تبدأ من مئة جنيه لليلة الواحدة. في تناقض صارخ مع تسعير وحدات ومنتجعات الساحل الشمالي التي تُقاس تكلفتها بعشرات آلاف الجنيهات للموسم الواحد.
الساحل الشمالي.. "مجتمع يشبه نفسه" أم عزلة طبقية معلنة؟
يكشف تحليل نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" عن الجانب الآخر من هذه المعادلة. حين نقلت عن مختصين وصفهم لظاهرة "هوس" المصريين بالساحل الشمالي. مع تبرير من بعض المتابعين لهذا الفصل الطبقي باعتباره حق كل إنسان في "العيش وسط طبقته"، لا تمييزا متعمدا.
لكن هذا التبرير. وإن حمل منطقا اجتماعيا مفهوما في سياقات أخرى، يصطدم بواقع أن الأمر لا يتعلق بتفضيل شخصي لمكان إقامة الصيف فقط. بل بمنظومة كاملة من الخدمات والفعاليات والاستثمارات العامة والخاصة تتركز في مساحة جغرافية محدودة يقصدها الأثرياء تحديدا. بينما تُترك مصايف الغالبية العظمى من المصريين لتنتظر "خطوات أسرع" في التطوير، كما وصف أحمد سالم حال الإسكندرية بالضبط.
مطالب اقتصادية متكاملة لا سياحية فقط
لم يقتصر طرح سالم على الشأن الترفيهي والسياحي. إذ طالب أيضا بزيادة المحاور العرضية التي تربط أجزاء الإسكندرية لتخفيف الزحام، وفتح المجال أمام البناء المنظم غرب المحافظة. وتوفير مناطق صناعية جديدة وفرص عمل حقيقية، إلى جانب استعادة الهوية الثقافية والفنية للمدينة عبر إحياء المسارح والنشاط الفني.
هذا التوسع في المطالب من الترفيه الصيفي إلى التنمية الاقتصادية الشاملة يعكس أن أزمة الإسكندرية. كنموذج لمدن الطبقة المتوسطة والشعبية الساحلية- ليست موسمية مرتبطة بأشهر الصيف فقط. بل تمتد لتشمل غياب فرص عمل واستثمار كافية تجعل سكانها يعتمدون على المدينة نفسها لا على الهجرة الداخلية نحو مصايف أو مدن أخرى أكثر ازدهارا.
إزالة كافيتيريا واحدة
استشهد سالم بحجم التفاعل الإيجابي الكبير الذي رافق إزالة كافيتيريا "ابن البحر" في الإسكندرية كدليل على أن المواطن. خلافا للانطباع الشائع، لا يعارض كل القرارات الحكومية بشكل تلقائي. بل يتفاعل بحماس حين يشعر أن القرار يستجيب فعليا لمطلب شعبي متراكم.
هذا التفاعل الكبير حول إزالة كشك أو كافيتيريا واحدة يكشف بذاته حجم "الطلب المؤجل" لدى سكان المدن الساحلية الشعبية على أبسط أشكال العدالة في الخدمة العامة: كورنيش مفتوح، شاطئ نظيف، رؤية غير محجوبة للبحر. وهي مطالب لا تحتاجها أصلا المنتجعات المسورة في الساحل الشمالي التي تدير خدماتها ونظافتها وأمنها بمعزل شبه كامل عن أي تدخل حكومي مباشر أو حاجة لمطالبات إعلامية متكررة.



