"توقفت عن العمل كطبيبة وأصبحت حفارة قبور".. شهادة من داخل مستشفى رابعة الميدانى
في الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصام رابعة العدوية، نشرت منظمة "الديمقراطية للعالم العربي الآن" (DAWN) شهادة شخصية مطولة لجراحة أعصاب مصرية وقّعت باسم فاطمة يحيى، روت فيها ما عايشته كمتطوعة داخل مستشفى ميداني مقابل ساحة الاعتصام يوم 14 أغسطس 2013.
الشهادة، التي تحمل طابعا شخصيا صريحا لا تقرير تحقيقي محايد، تقدم زاوية نظر من الداخل لأحد أكثر أيام العنف دموية في تاريخ مصر الحديث، وتأتي ضمن مطالبة المنظمة المستمرة، منذ تأسيسها على يد الراحل جمال خاشقجي، بمساءلة دولية عن أحداث ذلك اليوم.
من ميدان التحرير إلى رابعة.. السياق الذي وضعته الكاتبة لشهادتها
تربط الكاتبة بداية شهادتها بالسياق السياسي الأوسع الذي سبق الحادثة، مستعيدة انتفاضة 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، ثم انتخاب محمد مرسي كأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في مصر عام 2012، قبل الإطاحة به في 3 يوليو 2013.
وبحسب الرواية، شكّل اعتصام رابعة العدوية تجمعا لأنصار "الانتقال الديمقراطي" رفضا لما وصفته بـ"الانقلاب العسكري"، قبل أن تتحرك قوات الأمن لفضه بالقوة في 14 أغسطس من العام ذاته.
هذا التأطير السياسي للأحداث ينسجم مع الخط التحريري المعلن لمنظمة "داون" ذاتها، التي تصف نفسها بأنها منظمة حقوقية تُعنى بمساءلة الحكومات في المنطقة عن انتهاكات حقوق الإنسان.
تحذيرات ليلية.. وقرار البقاء رغم الخطر
تذكر الكاتبة أنها تلقت، في الليلة التي سبقت الفض، تحذيرات من أصدقاء وزملاء، من بينهم مصدر كان يعمل في مستشفى عسكري، بأن "شيئا خطيرا" متوقع في الاعتصام.
ورغم هذه التحذيرات، اختارت البقاء، معتبرة أن مصيرها "مرتبط بمن حولها"، في قرار شخصي تصفه الشهادة بأنه نابع من إحساس بالمسؤولية تجاه من كانت تتطوع لعلاجهم منذ أحداث سابقة وصفتها بـ"مذبحة الحرس الجمهوري" في يوليو من العام نفسه.
فرز طبي تحت النار.. حين تتحول العيادة إلى ساحة قرارات حياة أو موت
تصف الشهادة تفاصيل ميدانية دقيقة لما جرى داخل المستشفى الميداني المسمى "مركز رابعة الضاوية الطبي": وصول مصابين متوفين بالفعل، وإصابات وصفتها بأنها "مدمرة" يستحيل علاجها بالموارد المتاحة، واضطرار الفريق الطبي لإجراء عمليات فرز سريعة لتحديد من يمكن إنقاذه ومن لا يُرجّح نجاته، في ظروف تصفها الكاتبة بأنها لم تشهد مثلها من حيث الحجم والشدة طوال مسيرتها الطبية.
كما تذكر الشهادة تعطل حركة سيارات الإسعاف بسبب إغلاق قوات الأمن والجيش للمنطقة المحيطة، ما جعل نقل المصابين لمستشفيات أكثر تجهيزا أمرا "مستحيلا" بحسب وصفها.
واقعة الرأس المقطوع.. ولحظة "إما حياتك أو حياته"
من أكثر التفاصيل صدمة في الشهادة، تصف الكاتبة وصول شخص يحمل "رأس ودماغ صديقه". وتصف كذلك واقعة مواجهة مباشرة بين جندي وأحد زملائها الأطباء، إذ يُنقل عن الجندي، بحسب الرواية. توجيهه تهديدا مباشرا لزميلها بمسدس قائلا "إما حياتك أو حياته" أثناء محاولة الطبيب إنقاذ أحد المرضى.
هذه التفاصيل، الواردة كشهادة شخصية مباشرة من شاهدة عيان لا كوقائع موثقة بأدلة مستقلة إضافية داخل النص نفسه. تمثل جوهر ما تسعى الشهادة لنقله: تجربة إنسانية مباشرة من داخل الحدث، بمعزل عن أي تحقيق رسمي أو رواية مضادة.
حرق المستشفى الميداني.. ونهاية مروية بشعور الذنب
تختتم الكاتبة سرد وقائع اليوم بوصف اقتحام قوات الأمن للمنشأة الطبية وإجبار الطواقم على المغادرة رغم اعتراضهم. لتعلم لاحقا أن المستشفى الميداني الذي غادرته "قد احترق". وأن كثيرا من المصابين الذين بقوا بالداخل لم يُنقلوا لاحقا لمستشفيات أخرى.
وتصف تأثيرات نفسية طويلة الأمد استمرت معها منذ ذلك اليوم، من كوابيس متكررة إلى شعور دائم بالذنب لمغادرتها مرضاها. معتبرة أن ما شهدته لم يكن "تفريق اعتصام عادي"، بل استهدافا مباشرا للمرافق والكوادر الطبية أثناء تأديتها لعملها الإنساني.
مطالبة صريحة بالمساءلة.. لا تغطية محايدة فقط
تختتم الشهادة بدعوة مباشرة لمحاسبة المسؤولين عن أحداث ذلك اليوم. موسّعة دائرة المساءلة -بحسب تعبيرها- لتشمل "من مكّنوا أو سلّحوا أو مولوا أو حموا النظام من عواقب ذات معنى". في إشارة تحمل بعدا دوليا يتجاوز المسؤولية المصرية المباشرة.
هذه الخاتمة تعكس الطابع المزدوج للنص المنشور: شهادة إنسانية شخصية موثقة من الداخل من جهة. ومادة دعوية موجهة سياسيا تدعو لمساءلة دولية محددة من جهة أخرى. وهو ما يستوجب من القارئ التعامل مع النص باعتباره رواية شاهدة عيان واحدة نشرتها منظمة حقوقية ذات موقف سياسي معلن تجاه الحكومة المصرية. لا تحقيقا صحفيا محايدا متعدد المصادر.

