تشهد مصر خلال السنوات الأخيرة مفارقة اقتصادية لافتة؛ ففي الوقت الذي تواجه فيه قطاعات واسعة من المواطنين ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، تظهر في المقابل مظاهر متصاعدة للثراء الفاحش، من السيارات الفارهة والعقارات التي تصل أسعارها إلى مئات الملايين من الجنيهات، وصولاً إلى الإنفاق الضخم على السلع والخدمات الفاخرة.
وتكشف بيانات وتقارير دولية عن نمو تدريجي في أعداد أصحاب الثروات الكبيرة في مصر، بما يعكس ظهور طبقة جديدة من أصحاب الثروات، لا تقتصر على رجال الأعمال التقليديين، وإنما تمتد إلى قطاعات مثل العقارات والطب والإعلام والدراما، فضلاً عن مجالات حديثة كصناعة المحتوى والتسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي.
«رولز رويس» في مصر.. علامة على تغير سوق الثروة
ولعل أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول ما نقله تقرير لـ«CNN الاقتصادية» عن مسؤول مبيعات في سوق السيارات الفارهة، الذي أشار إلى أنه قبل سنوات لم يكن يتوقع وصول وكيل لسيارات «رولز رويس» إلى السوق المصرية، قبل أن يغير ظهور أصحاب الثروات الطائلة الجدد هذه المعادلة.
ولا يقتصر الأمر على السيارات الفاخرة، إذ تظهر مظاهر الثراء بصورة أكثر وضوحاً في سوق العقارات، خصوصاً في مناطق مثل الساحل الشمالي وشرق وغرب القاهرة.
وتصل أسعار بعض الوحدات العقارية الفاخرة إلى نحو 300 مليون جنيه، وهي قيمة ضخمة تعكس حجم الأموال التي أصبحت موجهة إلى سوق العقارات الفاخرة، في وقت تعاني فيه شرائح واسعة من المصريين من صعوبة تحمل تكاليف السكن الأساسية.
822 من أصحاب الثروات الطائلة
وبحسب تقرير الثروة لعام 2026 الصادر عن مؤسسة «نايت فرانك»، يبلغ عدد الأشخاص في مصر الذين تبلغ ثروتهم الصافية 30 مليون دولار فأكثر نحو 822 شخصاً، مقابل 802 شخص في عام 2021.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الفئة قد ترتفع إلى 977 شخصاً بحلول عام 2031، بزيادة تقارب 19% خلال خمس سنوات.
ولا تشمل هذه الأرقام جميع أصحاب الملايين، إذ تشير البيانات إلى أن عدد المصريين الذين تتجاوز ثرواتهم مليون دولار يتخطى 14 ألف شخص.
أما وفق بيانات «فوربس»، فيبلغ عدد المليارديرات المصريين المدرجين في قوائمها سبعة أشخاص، ينتمون بصورة أساسية إلى عائلات اقتصادية معروفة راكمت ثرواتها عبر عقود.
من أين تأتي الثروات الجديدة؟
بحسب ما نقلته «CNN الاقتصادية»، فإن قطاعات مثل العقارات والطب والإعلام والدراما أصبحت من بين المجالات التي يظهر فيها أصحاب الثروات الجديدة، إلى جانب المهن الحديثة مثل المؤثرين وصناع المحتوى.
ويأتي ذلك بالتزامن مع توسع أسواق العقارات الفاخرة والسلع الراقية في مصر، وظهور مناطق استهلاكية تستهدف شريحة محدودة للغاية من المجتمع.
ففي الوقت الذي يمكن أن يصل فيه سعر طاولة لعشرة أشخاص في بعض الحفلات إلى مئات الآلاف من الجنيهات، تتعامل الأسر المصرية الأخرى مع زيادات أسعار الغذاء والتعليم والنقل والكهرباء باعتبارها بنوداً أساسية تضغط بصورة مباشرة على ميزانياتها.
300 مليون جنيه مقابل ماذا؟
ويكشف الفارق بين أسعار العقارات الفاخرة ومتوسط دخول المصريين حجم الهوة الاقتصادية.
فبحسب الأرقام الواردة في التقرير، فإن عقاراً تبلغ قيمته 300 مليون جنيه يعادل، نظرياً، رواتب شهرية تبلغ 8 آلاف جنيه لنحو 37.5 ألف موظف لمدة شهر كامل، أو ما يعادل أجور أكثر من 3 آلاف موظف لمدة عام.
كما أن القيمة نفسها، وفق تقديرات حكومية سابقة لتكلفة إنشاء الفصول الدراسية، يمكن أن تعادل تكلفة إنشاء مئات الفصول.
وبعيداً عن المقارنة الحسابية، فإن هذه الأرقام تكشف اختلافاً هائلاً في القدرة على الإنفاق بين شرائح المجتمع.
الطبقة الوسطى.. الطرف الغائب
المفارقة الأكبر ليست في وجود أثرياء في مصر، وإنما في اتساع المسافة بين هؤلاء الأثرياء والطبقة الوسطى.
ففي الوقت الذي تتوسع فيه سوق السلع الفاخرة، تواجه الأسر المتوسطة ضغوطاً متراكمة تتعلق بأسعار الغذاء والسكن والتعليم والمواصلات والخدمات، بينما أصبحت القدرة على الادخار أو شراء العقارات أو حتى تحمل بعض النفقات الأساسية أكثر صعوبة بالنسبة إلى قطاعات واسعة.
وهنا يتحول السؤال من: كم يبلغ عدد الأثرياء في مصر؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف توزع الثروة والدخل داخل المجتمع؟
هل تعكس مظاهر الثراء نمواً اقتصادياً حقيقياً؟
وجود سوق للسيارات الفاخرة والعقارات مرتفعة الثمن لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد المصري بأكمله أصبح أكثر ثراءً.
فالاقتصاد يمكن أن يشهد في الوقت نفسه نمو قطاعات تحقق أرباحاً ضخمة لفئات محددة، بينما تتراجع القوة الشرائية لشرائح أخرى.
وبالتالي، فإن انتشار مظاهر الاستهلاك الفاخر قد يكون مؤشراً على تركيز الثروة بقدر ما هو مؤشر على وجود ثروات جديدة.
وفي المقابل. يرى المدافعون عن توسع هذه الأسواق أن وجود طبقة ثرية قادرة على الإنفاق والاستثمار يمكن أن يدعم قطاعات اقتصادية كاملة. ويوفر وظائف ويزيد النشاط الاستثماري والضريبي.
لكن ذلك يتوقف على طبيعة مصادر هذه الثروات، ومدى مساهمتها في الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل. وليس فقط في شراء الأصول والسلع الفاخرة.
977 ثرياً في 2031.. والسؤال الأهم
تتوقع «نايت فرانك». أن يصل عدد أصحاب الثروات التي تتجاوز 30 مليون دولار في مصر إلى 977 شخصاً بحلول عام 2031.
وقد يبدو الرقم صغيراً مقارنة بعدد سكان مصر. لكنه يمثل شريحة تمتلك قدرة هائلة على التأثير في أسواق العقارات والسيارات والتعليم والترفيه والسلع الفاخرة.



