بصلاحيات أوسع ورسوم جديدة.. الذراع الاقتصادية للجيش توسع نفوذها في صادرات الأرز
فرض جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، الذي يقود جانبًا متزايدًا من الأنشطة الاقتصادية في مصر، رسومًا جديدة مقابل التوسط في تصدير الأرز لصالح الشركات المحلية، في خطوة تعكس استمرار توسع دوره داخل قطاعات استراتيجية، وسط تساؤلات بشأن اتساع نفوذ الجهاز الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الأذرع الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية، رغم تقديمه رسميًا باعتباره جهازًا تنمويًا مستقلاً.
وبحسب مصدر مطلع، حدد الجهاز رسومًا تبلغ 20% من قيمة كل طن أرز يتم تصديره عبر وساطته، على أن تُخصص هذه الحصيلة لتنمية موارده المالية.
وأكد مصدران من مصدري الأرز أن هذه النسبة تمثل آلية جديدة لم تكن مطبقة سابقًا، إذ كان الجهاز يكتفي بالحصول على 150 دولارًا عن كل طن قبل تمديد صلاحياته خلال أغسطس الجاري.
توسع جديد في صلاحيات الجهاز
وكانت الحكومة قد قررت تمديد صلاحيات جهاز "مستقبل مصر" في التوسط لتصدير الأرز حتى نهاية عام 2027، مع السماح له بالإشراف على تصدير نحو 200 ألف طن خلال تلك الفترة.
ويكشف القرار عن تحول في السياسة الحكومية تجاه ملف تصدير الأرز، الذي ظل محظورًا منذ عام 2016 للحفاظ على الأمن الغذائي والموارد المائية، قبل أن يُمنح الجهاز حق إدارة هذا الملف بصورة شبه حصرية من خلال دوره كوسيط بين الشركات المصدرة والأسواق الخارجية.
ووفقًا للمصدر، تلقى الجهاز بالفعل خمسة عروض من شركات محلية لتصدير كميات تتراوح بين 7 و10 آلاف طن لكل شركة، فيما يعمل حاليًا على تحديد أسعار التصدير بما يتجاوز الأسعار العالمية، مستندًا إلى جودة الأرز المصري، مع مراعاة الحفاظ على القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية.
من مشروع زراعي إلى لاعب اقتصادي واسع
ويأتي توسع "مستقبل مصر" في ملف تصدير الأرز ضمن مسار أوسع شهد خلال السنوات الأخيرة انتقال الجهاز من إدارة مشروعات زراعية واستصلاح أراضٍ إلى لعب دور متزايد في قطاعات التجارة والغذاء وسلاسل الإمداد.
وأصبح الجهاز مسؤولًا عن إدارة أو المشاركة في عدد من الملفات الاقتصادية الكبرى، من بينها استصلاح الأراضي الزراعية، وإدارة مشروعات الأمن الغذائي، والتوسع في إنتاج السلع الاستراتيجية، إلى جانب دخوله مؤخرًا في تنظيم صادرات بعض المنتجات الزراعية.
ويرى مراقبون أن هذا التوسع يعكس اعتماد الدولة بصورة متزايدة على الجهاز في تنفيذ السياسات الاقتصادية. خاصة في القطاعات التي تعتبرها الحكومة ذات أهمية استراتيجية.
ذراع اقتصادي للمؤسسة العسكرية
ورغم أن جهاز "مستقبل مصر" يُقدَّم رسميًا باعتباره جهازًا تنمويًا يهدف إلى دعم الأمن الغذائي والتنمية الزراعية. فإن متابعين للشأن الاقتصادي يرون أنه يمثل أحد أبرز الأذرع الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية.
ويستند هذا التقييم إلى طبيعة إدارة الجهاز، وحجم المشروعات التي يشرف عليها، والدعم الحكومي الذي يحظى به. إضافة إلى إسناد ملفات اقتصادية استراتيجية إليه بصورة مباشرة. وهو ما يجعله لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد المصري إلى جانب الأجهزة والهيئات الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة.
وفي المقابل، تحرص الدولة في خطابها الرسمي على تقديم الجهاز باعتباره مؤسسة تنموية تعمل وفق اعتبارات اقتصادية وتنموية. دون إبراز ارتباطه بالمؤسسة العسكرية، في إطار توجه يهدف إلى إظهار أنشطة الجهاز باعتبارها جزءًا من سياسات التنمية الوطنية.
تساؤلات حول المنافسة ودور القطاع الخاص
ويثير توسع صلاحيات "مستقبل مصر" تساؤلات داخل أوساط رجال الأعمال والمصدرين بشأن مستقبل المنافسة في قطاع التصدير. خاصة مع تحول الجهاز إلى وسيط إلزامي في تصدير الأرز، بعدما كانت الشركات تتولى التفاوض والتعاقد المباشر مع المشترين الخارجيين.
ويرى مصدرون أن فرض رسوم جديدة بنسبة 20% يضيف تكلفة إضافية على عمليات التصدير. في وقت تواجه فيه الشركات منافسة قوية من الأرز الهندي والباكستاني والفيتنامي منخفض التكلفة في الأسواق العالمية. وهو ما قد يؤثر على القدرة التنافسية للأرز المصري إذا لم تُراعَ اعتبارات التسعير بدقة.
ويعكس هذا التطور استمرار الاتجاه نحو منح جهاز "مستقبل مصر" أدوارًا اقتصادية متزايدة. في وقت تتسع فيه مشاركة الجهات السيادية في إدارة قطاعات إنتاجية وتجارية. وهو مسار يرى مؤيدوه أنه يعزز قدرة الدولة على إدارة الملفات الاستراتيجية. بينما يعتبره منتقدون تكريسًا لتوسع الكيانات المرتبطة بالدولة في مجالات كان القطاع الخاص يؤدي فيها الدور الرئيسي.



