محلي

التعليم الجامعي لمن يستطيع الدفع؟.. أحلام الطلاب تصطدم بقدرة الأسر على الدفع

لم تعد معاناة الأسرة المصرية مع الثانوية العامة تنتهي بإعلان النتيجة أو ظهور التنسيق الجامعي؛ فبالنسبة إلى كثير من الأسر، تبدأ بعد ذلك معركة جديدة عنوانها: كيف سيموّل الآباء دراسة أبنائهم في الجامعة، خصوصاً إذا لم يحقق مجموعهم الحد المطلوب للالتحاق بالتخصص الذي يحلمون به؟

وتكشف قصص طلاب وأسرهم عن أزمة تتجاوز مجرد ارتفاع مصروفات الجامعات الخاصة والأهلية، لتطرح سؤالاً أوسع حول قدرة الأسرة المصرية على الحفاظ على حق أبنائها في اختيار التخصص الذي يتناسب مع قدراتهم وطموحاتهم، في ظل اتساع الفارق بين تكاليف التعليم الجامعي ودخول الأسر.

درجتان ونصف تفصل طالبة عن حلم الطب

تعيش إيمان محمدي، وهي أم مصرية تعمل مترجمة، حالة من الترقب بعدما تقدمت ابنتها رضوى، خريجة الثانوية العامة، للحصول على أربع منح جامعية.

كانت رضوى تحلم بدراسة الطب البشري في إحدى الجامعات الحكومية، لكن فارقاً قدره درجتان ونصف فقط حال دون تحقيق حلمها، وانتهى بها التنسيق إلى كلية طب الأسنان، التي لا ترغب في دراستها.

وتقول والدتها إن الأسرة مستعدة لتحمل أعباء استثنائية حتى لا تضطر ابنتها إلى التخلي عن حلمها، حتى لو وصل الأمر إلى بيع الشقة التي انتقلت إليها الأسرة حديثاً والعودة إلى منزل العائلة في منطقة شعبية.

لكن بالنسبة إلى الأسرة، تبدو المنحة هي الحل الذي يمكن أن يحافظ على حلم الطالبة دون أن يضع العائلة أمام تكلفة تفوق إمكاناتها.

الطب.. حلم تتحول تكلفته إلى عبء

تتجاوز مصروفات دراسة الطب البشري في بعض الجامعات الأهلية 150 ألف جنيه سنوياً، بينما يمكن أن تصل في بعض الجامعات الخاصة إلى نحو 500 ألف جنيه سنوياً.

وبالنسبة إلى أسرة مصرية متوسطة أو محدودة الدخل، فإن هذه الأرقام لا تمثل مجرد مصروفات دراسية، وإنما التزاماً مالياً يمتد لسنوات، يضاف إليه السكن والمواصلات والكتب والأدوات الدراسية والمصروفات اليومية.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الطالب الذي لم يحقق مجموعاً يؤهله للجامعة الحكومية، لكنه في الوقت نفسه لا ينتمي إلى أسرة قادرة على تحمل تكلفة التعليم الخاص.

ارتفاع الحدود الدنيا يزيد الضغط

تزامن ذلك مع ارتفاع الحد الأدنى للقبول في عدد من التخصصات التي يطلق عليها المصريون «كليات القمة».

وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، ارتفع الحد الأدنى للطب البشري إلى 94%، مقابل 93.1% في العام السابق، وطب الأسنان إلى 93.2% مقابل 92.6%، والصيدلة إلى 92% مقابل 91.8%.

وفي المقابل، تراجع الحد الأدنى للهندسة إلى 86.4% مقابل 89.8% في العام السابق.

هذه الفوارق الصغيرة في النسب المئوية قد تبدو محدودة، لكنها بالنسبة إلى أسرة لديها طالب يتنافس على مقعد محدود في كلية حكومية يمكن أن تعني انتقاله من تعليم منخفض التكلفة إلى تعليم تصل مصروفاته إلى مئات الآلاف من الجنيهات سنوياً.

المنح.. طوق نجاة أم حل محدود؟

في ظل هذه المعادلة، تكتسب المنح الجامعية أهمية متزايدة.

وتقدم بعض الجامعات الخاصة منحاً للطلاب المتفوقين غير القادرين، كما توفر بعض المحافظات منحاً لأبنائها، في حين أعلنت وزارة التعليم العالي، بالشراكة مع البنك المركزي، عن برنامج «علماء المستقبل» لدعم الطلاب المتفوقين من الفئات الأكثر احتياجاً.

ويرى العاملون في مجال دعم الطلاب أن عدد المنح أصبح أكبر من السنوات السابقة، بالتزامن مع زيادة وعي الطلاب والأسر بوجود هذه الفرص.

لكن المشكلة أن المنح، رغم أهميتها، لا تزال غير قادرة بالضرورة على استيعاب جميع الطلاب الذين يجدون أنفسهم بين خيارين. التنازل عن التخصص الذي يحلمون به أو تحميل أسرهم أعباء مالية تفوق قدرتها.

أسرة من الشرقية تنتظر الفرصة

بوسي مهدي، الحاصلة على 90.6% في الثانوية العامة، كانت تأمل دراسة الطب، لكن مجموعها يؤهلها لمسار آخر في التعليم الحكومي.

ولا تستطيع أسرتها تحمل تكلفة دراسة الطب في جامعة خاصة أو أهلية، إذ يعمل والدها في إدارة متجر. بينما تتحمل الأسرة أيضاً نفقات تعليم ابن وابنة آخرين.

لذلك أصبحت المنحة بالنسبة إليها أكثر من مجرد فرصة تعليمية. إنها الطريق الوحيد تقريباً أمامها لمحاولة الوصول إلى التخصص الذي تطمح إليه.

وفي قنا، تواجه أسرة أخرى المشكلة نفسها. فوالدة أحد الطلاب موظفة وزوجها على المعاش، بينما حصل ابنهما على 71.8%. وهو ما أبعده عن حلم دراسة الطب، لتصبح المنحة أملاً في الالتحاق بكلية العلوم.

ماذا يحدث إذا خسر الطالب المنحة؟

هناك جانب آخر من الأزمة لا يظهر دائماً عند الإعلان عن المنح.

فالعديد من البرامج تشترط استمرار الطالب في تحقيق مستوى أكاديمي معين للحفاظ على المنحة طوال سنوات الدراسة.

وهذا يعني أن الأسرة التي لا تستطيع دفع المصروفات من الأساس قد تجد نفسها أمام مأزق جديد إذا فقد الطالب المنحة بسبب انخفاض تقديره الجامعي.

فقد يبدأ الطالب دراسته اعتماداً على منحة كاملة، ثم يجد نفسه مطالباً بدفع المصروفات إذا لم يستوفِ شروط استمرارها.

وهنا تبرز ضرورة أن تكون شروط المنح واضحة منذ البداية، وأن تراعي أيضاً الظروف الاجتماعية والاقتصادية للطلاب.

الجامعة.. من حق تعليمي إلى عبء مالي؟

المشكلة الأوسع التي تكشفها هذه القصص هي أن الجامعة أصبحت بالنسبة إلى كثير من الأسر المصرية مشروعاً مالياً ضخماً. وليس مجرد مرحلة طبيعية في المسار التعليمي للأبناء.

فبعد سنوات من الإنفاق على الدروس الخصوصية والكتب والمواصلات ومتطلبات الثانوية العامة. تجد الأسرة نفسها أمام مصروفات جامعية قد تصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات.

وإذا كان الطالب يرغب في تخصص مرتفع التكلفة مثل الطب أو طب الأسنان أو الصيدلة. فإن الفارق بين التعليم الحكومي والخاص يصبح حاسماً.

اقرأ أيضا

32 ألف جنيه للعيش.. والحد الأدنى للأجر يغطي ربعها فقط: أرقام تكشف هوّة الفقر في مصر

زر الذهاب إلى الأعلى