في طرح جديد يعيد ملف جماعة الإخوان المسلمين إلى واجهة الخطاب الديني الرسمي في مصر، نشر وزير الأوقاف المصري الدكتور أسامة الأزهري مقالاً بعنوان "الحقيقة الواضحة: حسن البنا تحت المجهر"، عبر صحيفة Egyptian Gazette، تناول فيه مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، رابطاً بين أفكار الجماعة وبين ما وصفه بـ"الفكر التكفيري" و"العنف المسلح" والتنظيمات الجهادية، وصولاً إلى تنظيم "داعش".
ويقدم المقال، الذي نُشر في 16 أغسطس 2026، قراءة فكرية لمسار الجماعة، إلا أن اللافت فيه هو وضع الإخوان المسلمين ضمن سردية واحدة تمتد من حسن البنا إلى سيد قطب ثم إلى تنظيمات مثل داعش وبوكو حرام، بما يعزز خطاباً رسمياً مصرياً طالما سعى إلى الربط بين جماعة الإخوان والتيارات التي انتهجت العنف المسلح.
الأزهري: الإخوان بداية لمسار انتهى إلى داعش
ويذهب الأزهري في مقاله إلى أن حسن البنا لا ينبغي النظر إليه باعتباره شخصية منفردة، وإنما باعتباره ممثلاً لمنهج فكري يرى أنه أسهم في ظهور تيارات متطرفة لاحقاً.
ويضع المقال تسلسلاً يبدأ، بحسب طرحه، من حسن البنا، ثم يتطور مع سيد قطب، قبل أن يصل إلى صورته «المسلحة» في تنظيمات مثل داعش وبوكو حرام.
ويقول إن هذا المسار التاريخي يكشف، من وجهة نظره، عن ضرورة مواجهة هذه الأفكار فكرياً وتعزيز الوعي الديني والمجتمعي لمواجهة التطرف.
كما يذهب الوزير إلى تشبيه بعض منهج حسن البنا بالمنهج الذي ينسبه إلى الخوارج، خصوصاً فيما يتعلق بطريقة قراءة النصوص الدينية والخلط بين مسائل العقيدة ومسائل الفقه، معتبراً أن هذا المسار يمكن أن يقود إلى التكفير وتبرير الصراع المسلح.
خطاب ديني رسمي في مواجهة الإخوان
وتكتسب هذه القراءة أهمية سياسية تتجاوز الجانب الأكاديمي للمقال، بالنظر إلى أن كاتبها هو وزير الأوقاف، أحد أبرز ممثلي المؤسسة الدينية داخل الحكومة المصرية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المقال باعتباره جزءاً من خطاب ديني رسمي يستهدف إعادة تعريف صورة جماعة الإخوان أمام الرأي العام، ليس باعتبارها مجرد جماعة سياسية أو دعوية ذات تاريخ طويل، وإنما باعتبارها الحلقة الأولى في سلسلة فكرية يرى الخطاب الرسمي أنها انتهت إلى التنظيمات الأكثر تشدداً.
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في عنوان الكتاب الذي يستند إليه المقال: «الحقيقة الواضحة: دحض من يتلاعبون بالإسلام»، والذي يصفه الأزهري بأنه مشروع علمي لمواجهة تيارات فكرية يرى أنها قادت أتباعها إلى التكفير والعنف وإراقة الدماء وإحياء الفكر الخارجي.
من حسن البنا إلى سيد قطب.. ثم التنظيمات المسلحة
ولا يكتفي المقال بانتقاد أفكار حسن البنا. بل يقدم سلسلة فكرية متصلة؛ إذ يصف ظهور هذه الأفكار في عهد البنا بأنه مرحلة أولية. ثم يرى أنها تطورت بصورة أكبر مع سيد قطب. قبل أن تتحول إلى مشروع مسلح لدى تنظيمات مثل داعش وبوكو حرام.
وهذه النقطة تحديداً تمنح المقال بعداً سياسياً في سياق الصراع المصري الطويل مع جماعة الإخوان. إذ إن وضع الجماعة في السياق نفسه الذي يضم تنظيمات مصنفة إرهابية دولياً يمكن أن يؤدي إلى ترسيخ الربط في الوعي العام بين الإخوان والتنظيمات الجهادية المسلحة. حتى مع اختلاف الظروف التاريخية والبنية التنظيمية والمواقف المعلنة لكل طرف.
وهنا ينبغي التفريق بين النقد الفكري للجماعة وبين إثبات المسؤولية الجنائية عن أعمال إرهابية محددة. فالمقال يقدم أطروحة فكرية وتاريخية تربط بين تيارات مختلفة، لكن هذا الربط لا يعني، في حد ذاته. إثبات أن كل أعضاء جماعة الإخوان أو كل مراحل تاريخها شاركوا في أعمال تنظيمات مثل داعش.
استدعاء الخوارج لتأصيل الاتهام
ومن أبرز الأدوات التي يستخدمها الأزهري في مقاله استدعاء تجربة الخوارج في التاريخ الإسلامي. باعتبارها نموذجاً مبكراً لما يصفه بالفكر التكفيري.
ويقول إن هذا الفكر ظهر تاريخياً نتيجة الخلط بين أصول الدين وفروعه، وإنه أدى إلى تكفير الخصوم وتبرير العنف. ثم يسقط هذه القراءة على حسن البنا، معتبراً أن هناك تشابهاً في المنهج بين الحالتين.
ويستشهد كذلك بمواقف منسوبة إلى لقاءات بين البنا وعدد من علماء عصره، من بينهم يوسف الدجوي ومحب الدين الخطيب. ليقدم صورة عن مراجعات فكرية قال إن البنا مر بها لاحقاً. وعن إدراكه لأخطاء وصفها المقال بأنها نتجت عن التسرع في إصدار الأحكام وعدم استيعاب الواقع ومقاصد الشريعة بصورة كافية.
لماذا الآن؟
ويأتي نشر المقال في وقت تواصل فيه الدولة المصرية استخدام المؤسسة الدينية الرسمية كإحدى أدوات مواجهة الخطاب الإخواني والتيارات الإسلامية السياسية. وهو ما يجعل صدور مثل هذا الطرح من وزير الأوقاف ذا دلالة تتجاوز المقال ذاته.



