تفتح واقعة سحل مواطن في الشارع بعد ضبطه متلبسًا بسرقة من أحد المستشفيات، نقاشًا يتجاوز حدود الجريمة نفسها، ليصل إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يتعامل المجتمع والدولة مع السرقة عندما تتقاطع الجريمة مع الفقر والعوز والاحتياج؟
لا خلاف على أن السرقة جريمة، وأن حماية أموال الناس وممتلكاتهم حق لا يجوز الاعتداء عليه، كما أن رفض العنف الذي تعرض له المتهم لا يعني تبرير ما أقدم عليه.
لكن المشهد يطرح سؤالًا آخر: هل يكفي أن نرى يدًا تمتد إلى مال الغير، أم ينبغي أيضًا أن نبحث في الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت صاحبها إلى ارتكاب الجريمة؟
ويستعيد هذا السؤال جانبًا من سيرة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، خصوصًا خلال عام الرمادة، عندما ضرب الجفاف والمجاعة مناطق واسعة من الدولة الإسلامية، وتدهورت أحوال الناس بصورة دفعتهم إلى طلب الطعام والنجدة.
وفي تلك الظروف، لم يكن التعامل مع السرقة منفصلًا عن حالة المجتمع. فإقامة الحدود في الشريعة ليست إجراءً آليًا بمعزل عن الظروف والملابسات، وإنما ترتبط بتوافر شروط دقيقة وانتفاء الشبهات والاضطرار.
ولهذا ارتبط عام الرمادة في كتب الفقه والتاريخ بنقاش واسع حول عدم إقامة حد السرقة في ظروف المجاعة، إلى جانب أن عمر اتخذ إجراءات واسعة لتوفير الطعام وإغاثة الناس.
وهنا تكمن أهمية استحضار التجربة التاريخية، لا باعتبارها دعوة إلى إلغاء القانون، وإنما باعتبارها تذكيرًا بأن العدالة لا تنفصل عن الظروف التي يعيش فيها الناس.
هل يمكن أن يحدث ذلك في مصر؟
السؤال اليوم مختلف من الناحية القانونية. فمصر دولة حديثة تخضع لقانون العقوبات، وليس للقاضي أن يتجاوز النصوص القانونية لمجرد أن المتهم فقير.
لكن القانون نفسه يتيح للمحكمة، بحسب طبيعة الجريمة وملابساتها والنص المنطبق عليها، أن تراعي بعض الظروف عند تقدير العقوبة، كما أن حالة الضرورة والإكراه وغيرها من الظروف القانونية قد يكون لها أثر في المسؤولية الجنائية متى توافرت شروطها.
وهنا يمكن أن يطرح النقاش بصورة أكثر واقعية: هل ينبغي للدولة أن تركز فقط على معاقبة السارق، أم أن عليها أيضًا معالجة الظروف التي تجعل بعض المواطنين أكثر عرضة للانزلاق إلى الجريمة؟
فالتمييز ضروري بين شخص يسرق لتحقيق الثراء أو الاستغلال، وشخص يسرق الطعام أو الدواء تحت وطأة حاجة حقيقية، مع التأكيد أن تحديد ذلك لا يكون بالمشاعر أو بالتعاطف الشعبي، وإنما من خلال التحقيق والقضاء والأدلة.
لكن هل التساهل مع الفقراء قد يشجع على السرقة؟
هذا هو الاعتراض الأقوى على فكرة مراعاة الظروف الاقتصادية.
فإذا أصبح الفقر في حد ذاته مبررًا للسرقة، فقد يتحول الأمر إلى رسالة خطيرة مفادها أن القانون لا ينطبق على من يدعي الحاجة.
وهذا يمكن أن يضر بالفقراء أنفسهم، لأن انتشار السرقة يهدد ممتلكاتهم وأمنهم قبل غيرهم.
لذلك فإن البديل ليس التساهل مع السرقة، وإنما التفريق بين العقوبة والعدالة الاجتماعية.
يمكن للدولة أن تكون حازمة في مواجهة الجريمة، وفي الوقت نفسه توفر للفئات الأشد احتياجًا شبكات حماية تمنع وصول الإنسان إلى مرحلة يرى فيها السرقة وسيلة للبقاء.
وبمعنى آخر: ليس المطلوب أن تقول الدولة للسارق "سرق لأنك فقير ولذلك أنت معذور". وإنما أن تسأل قبل أن يصل المواطن إلى هذه المرحلة: لماذا أصبح فقيرًا إلى هذا الحد؟ وهل كان هناك طريق مشروع يستطيع من خلاله الحصول على الطعام أو العلاج أو احتياجات أسرته؟
درس عام الرمادة
ربما يكون الدرس الأهم من تجربة عمر بن الخطاب أن العدالة لا تعني تطبيق العقوبة بمعزل عن الواقع. كما أن الرحمة لا تعني إلغاء القانون.
ففي الظروف الاستثنائية، كان التعامل مع الجوع باعتباره قضية دولة ومجتمع، وليس مجرد مشكلة أفراد. وكانت مسؤولية السلطة تتجاوز معاقبة من خالف القانون إلى محاولة إزالة الظروف التي يمكن أن تدفع الناس إلى المخالفة.
ومن هنا، فإن المقارنة بين عام الرمادة والواقع المصري المعاصر يجب ألا تتحول إلى مقارنة مباشرة بين زمنين مختلفين. وإنما إلى سؤال أخلاقي وسياسي: إذا كان الفقر والعوز من العوامل التي تدفع بعض الناس إلى الجريمة. فهل تكتفي الدولة بمعاقبة الفقير بعد ارتكاب الجريمة، أم تتحمل أيضًا مسؤوليتها في منع وصوله إلى حالة الاضطرار؟
أما المواطن الذي يسرق، فله أن يتحمل مسؤولية فعله وفق القانون، لكن ليس من حق المجتمع أن يتحول إلى جلاد. وليس من حق الدولة أن تتجاهل الظروف الاجتماعية التي قد تغذي الجريمة.
وهكذا يصبح التعامل الأكثر عدلًا مع المسألة قائمًا على ثلاثة خطوط متوازية: لا حماية للجريمة، لا انتقام من المتهم. ولا تجاهل للفقر الذي قد يكون أحد أسبابها.



