نقص القمح يدفع "مستقبل مصر" للدفع الفوري.. هل تدخل منظومة الخبز مرحلة أكثر كلفة؟
دفعت اضطرابات إمدادات القمح القادمة من منطقة البحر الأسود جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة إلى تغيير إحدى أهم قواعد التعاقد مع الموردين، بالتحول في بعض صفقات القمح من السداد الآجل إلى الدفع الفوري، في مؤشر على تصاعد الضغوط التي تواجهها مصر لتأمين سلعة استراتيجية تعتمد عليها بصورة كبيرة في إنتاج الخبز.
وقال تاجر مطلع على واردات القمح لـ«المنصة» إن الجهاز، الذي أصبح لاعبًا رئيسيًا في تدبير احتياجات مصر من الحبوب، اتجه إلى السداد الفوري بعدما رفض موردون الاستمرار في البيع بنظام الآجل لمدة 270 يومًا، في ظل اضطراب الإمدادات الروسية والأوكرانية وصعوبة ضمان تدفق الشحنات.
ويأتي التغيير في وقت انخفضت فيه واردات مصر من القمح خلال يوليو/تموز وأغسطس إلى نحو 480 ألف طن، مقابل 1.95 مليون طن خلال الشهرين نفسيهما من العام الماضي، بتراجع يتجاوز 75%.
وفي المقابل، كانت واردات الأشهر الثمانية الأولى من العام قد ارتفعت بنحو 21% إلى 8.18 مليون طن، ما يعكس أن الأزمة تتركز بصورة خاصة في الأشهر الأخيرة مع تفاقم اضطرابات الشحن.
270 يومًا لم تعد كافية لإقناع البائعين
كان جهاز مستقبل مصر يعتمد في تعاقدات القمح على اعتمادات مستندية آجلة لمدة 270 يومًا، بما يمنح المشتري مساحة زمنية كبيرة قبل تسوية قيمة الشحنة.
لكن تغيرت معادلة القوة في السوق مع تراجع المعروض من روسيا وأوكرانيا، الموردين الرئيسيين لمصر، وارتفاع المخاطر المرتبطة بالنقل البحري والتأمين.
وبحسب التاجر، لم يعد الموردون في الظروف الحالية مستعدين لتحمل مخاطر الانتظار لنحو تسعة أشهر للحصول على مستحقاتهم. خصوصًا مع ارتفاع حالة عدم اليقين في سوق الحبوب العالمية.
وتعني هذه الخطوة أن مصر أصبحت مضطرة في بعض الصفقات إلى دفع ثمن القمح مقدمًا لضمان الحصول عليه. بعدما كانت في وضع يسمح لها بالتفاوض على آجال طويلة للسداد.
ولا يقتصر التغيير على الجانب المالي. إذ يكشف أيضًا عن تحول في طبيعة سوق القمح من سوق يستطيع فيه المشتري المفاضلة بين شروط الموردين إلى سوق يصبح فيه تأمين الشحنة في حد ذاته أولوية.
البحر الأسود يضغط على الأمن الغذائي المصري
يمثل البحر الأسود المصدر الأهم للقمح الذي تعتمد عليه مصر، خصوصًا من روسيا وأوكرانيا.
وتفاقمت الأزمة خلال الأشهر الماضية مع تصاعد الهجمات على السفن والموانئ وفرض قيود تشغيلية على بعض مرافق التصدير. ما أدى إلى اضطراب حركة الحبوب وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وفي أغسطس/آب، أظهرت بيانات وتقارير سوقية تراجع شحنات القمح الروسية والأوكرانية إلى مصر بصورة كبيرة. فيما ارتفعت المخاوف من استمرار اضطرابات الإمدادات.
كما ارتفعت أسعار القمح العالمية بفعل المخاوف المرتبطة بتعطل صادرات البحر الأسود.
وفي أحدث مؤشر على اتساع نطاق الأزمة، بدأ مشترون كبار في أسواق أخرى البحث عن بدائل للقمح الروسي والأوكراني. مع انتقال بعض الطلب إلى أستراليا والأرجنتين ومناشئ أخرى، رغم ارتفاع تكلفة هذه البدائل.
وبالنسبة إلى مصر، فإن المشكلة أكثر حساسية. إذ لا يمكن التعامل مع القمح باعتباره مجرد سلعة تجارية يمكن تقليل استيرادها مؤقتًا. نظرًا لاعتماد منظومة الخبز المدعم على كميات ضخمة منه.


