عفو إماراتي عن عبد الرحمن القرضاوي.. هل تنتهي محنته أم تبدأ مرحلة جديدة في مصر؟
أصدر الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الجمعة 4 سبتمبر، عفوًا رئاسيًا عن الشاعر والمعارض المصري عبد الرحمن يوسف القرضاوي، بعد أيام قليلة من صدور حكم قضائي بسجنه عشر سنوات وتغريمه 200 ألف درهم إماراتي.
وقالت وكالة أنباء الإمارات «وام» إن العفو صدر عن القرضاوي، الذي أدانته محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية – دائرة الجرائم الإلكترونية، في 27 أغسطس/آب، وقضت بسجنه عشر سنوات وتغريمه 200 ألف درهم، مشيرة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ العفو.
ورغم أن القرار يعني، وفق الإعلان الرسمي، إنهاء العقوبة الصادرة بحقه في الإمارات، فإنه يفتح في الوقت نفسه سؤالًا آخر بشأن الخطوة التالية في مصير القرضاوي، ولا سيما في ظل وجود أحكام وطلبات قانونية بحقه في مصر، حيث تصفه تقارير حقوقية بأنه معارض للسلطات المصرية.
من سجن عشر سنوات إلى عفو مفاجئ
جاء العفو بعد فترة قصيرة للغاية من الحكم القضائي، إذ لم يفصل بين إدانة القرضاوي والحكم عليه في 27 أغسطس، وإعلان العفو الرئاسي في 4 سبتمبر/أيلول سوى ثمانية أيام.
ولم تتضمن الصياغة الرسمية الإماراتية المنشورة تفاصيل بشأن الوجهة التي سيغادر إليها القرضاوي بعد تنفيذ العفو، كما لم يرد في الإعلان ما يفيد بأنه سيُرحّل إلى مصر أو أنه سيبقى في الإمارات.
واكتفت الوكالة الرسمية بالقول إن الإجراءات اللازمة لتنفيذ العفو الرئاسي قد اتُخذت.
وهنا تبرز المخاوف بشأن المرحلة المقبلة، خصوصًا أن القرضاوي مطلوب في مصر، وسبق أن صدر بحقه حكم غيابي هناك، وفق ما وثقته منظمات حقوقية ومصادر إعلامية.
لماذا تثير احتمالية تسليمه إلى مصر القلق؟
كان القرضاوي قد أوقفته السلطات اللبنانية في 28 ديسمبر/كانون الأول 2024 لدى عودته من سوريا، قبل أن تسلمه إلى الإمارات في 8 يناير2025.
وجاء توقيفه على خلفية طلبات تسليم من مصر والإمارات، في أعقاب نشره مقطع فيديو من سوريا انتقد فيه السلطات المصرية والإماراتية والسعودية.
وقالت منظمة العفو الدولية آنذاك إن طلبات التسليم ارتبطت، بحسب المعلومات المتاحة، بممارسته حقه في التعبير وانتقاده سلطات تلك الدول.
أما في مصر، فقد أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن القرضاوي كان قد حُكم عليه غيابيًا عام 2017 بالسجن خمس سنوات في قضية تتعلق، من بين أمور أخرى، بنشر «أخبار كاذبة»، ووصفت القضية بأنها ذات دوافع سياسية.
كما أفادت وثيقة صادرة عن الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة، في يناير/كانون الثاني 2025، بوجود مخاوف من أن يواجه القرضاوي، في حال تسليمه إلى مصر أو الإمارات، خطر التعذيب أو سوء المعاملة أو الاختفاء القسري.
وبالتالي، فإن انتهاء سجنه في الإمارات لا يعني بالضرورة انتهاء المخاطر القانونية التي تحيط به، إذا كانت السلطات الإماراتية ستتخذ قرارًا بترحيله إلى دولة أخرى.
«الاختفاء القسري».. فصل سابق في القضية
لم تكن قضية القرضاوي في الإمارات خالية من الانتقادات الحقوقية خلال فترة احتجازه.
ففي فبراير/شباط 2025، قالت منظمة العفو الدولية إن القرضاوي تعرض لما وصفته بـ«الاختفاء القسري» منذ تسليمه من لبنان إلى الإمارات، مشيرة إلى أن أسرته لم تكن قادرة على معرفة مكان وجوده أو وضعه القانوني، وأن السلطات التركية لم تتمكن، بحسب المنظمة، من إجراء زيارات قنصلية له.
وفي أغسطس/آب من العام نفسه، قالت مجموعة من المنظمات الحقوقية إن القرضاوي ظل لأكثر من 200 يوم في حالة وصفتها بالاختفاء القسري، مطالبة بالكشف عن مكان احتجازه وضمان سلامته وإطلاق سراحه.
ووفق بيان للمنظمات، كان آخر اتصال معروف لعائلته به في 23 مارس/آذار 2025، خلال زيارة قصيرة ومراقبة في أبوظبي استمرت أقل من عشر دقائق، قبل أن ينقطع التواصل معه مجددًا، بحسب البيان.
وتمنح هذه الخلفية القضية بعدًا إضافيًا، إذ إن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بإنهاء الحكم الإماراتي، وإنما أيضًا بمصير الرجل بعد خروجه من السجن.
مصر.. الوجهة التي تثير المخاوف
يكتسب احتمال تسليم القرضاوي إلى مصر حساسية خاصة بسبب وضعه القانوني هناك ونشاطه السياسي المعارض.
وكانت منظمة العفو الدولية قد حذرت قبل تسليمه إلى الإمارات من إعادته إلى مصر. قائلة إن هناك مخاطر من تعرضه للاحتجاز التعسفي وغيره من الانتهاكات.
كما وثقت الأمم المتحدة مخاوف مماثلة بشأن احتمال تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة أو الاختفاء القسري في حال تسليمه.
وتزداد المخاوف أهمية بالنظر إلى أن القرضاوي يحمل الجنسيتين المصرية والتركية. وكان يعيش في تركيا مع أسرته قبل توقيفه في لبنان، وفق تقارير حقوقية وإعلامية.
ومن ثم، فإن أي قرار بترحيله إلى مصر سيكون، على الأرجح، محل متابعة من المنظمات الحقوقية والجهات التركية المعنية. خصوصًا أن قضيته كانت منذ بدايتها مرتبطة بتحذيرات من احتمال تعرضه لانتهاكات جسيمة. في حال إعادته إلى إحدى الدول التي طلبت تسليمه.
عفو لا يكشف ما بعده
وبينما يمثل العفو الرئاسي تطورًا يوقف العقوبة الصادرة بحقه في الإمارات. فإن الإعلان الرسمي لم يوضح حتى الآن ما إذا كان القرضاوي سيغادر الإمارات، وإلى أين ستكون وجهته. وما إذا كانت هناك ترتيبات لتسليمه إلى مصر.
وبذلك يبقى أحد أبرز الأسئلة المفتوحة هو: هل يمثل العفو نهاية قضية عبد الرحمن القرضاوي. أم أنه يمهد لمرحلة جديدة قد يكون فيها أمام احتمال الترحيل إلى مصر؟
ولا توجد، حتى الآن، معلومات رسمية معلنة تثبت أن الإمارات قررت تسليمه إلى مصر.
لذلك فإن الحديث عن التسليم يظل في إطار الاحتمال والمخاوف التي تستند إلى وضعه القانوني السابق في مصر. والتحذيرات الحقوقية التي رافقت القضية منذ توقيفه في لبنان.
لكن بالنسبة لعائلته والمنظمات التي تابعت قضيته. فإن العفو وحده لا يبدد المخاوف بشأن مصيره ما لم تتضح وجهته المقبلة وتُضمن سلامته وحقوقه القانونية.
وتبقى القضية، في هذا السياق، أمام مفترق طرق. إما أن ينتهي مسار الاحتجاز الطويل بإطلاق سراح القرضاوي وتمكينه من العودة إلى مكان آمن. أو أن يتحول العفو عن العقوبة الإماراتية إلى خطوة تسبق إجراءً آخر يعيد فتح ملفه أمام السلطات المصرية. وهو السيناريو الذي قد يعيد إلى الواجهة التحذيرات الحقوقية التي صدرت منذ توقيفه في لبنان أواخر عام 2024.



